Latest Post

‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوضوء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الوضوء. إظهار كافة الرسائل

الوضوء : أركانه - شروطه - سننه .


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ فقرة الفقه المتعلقة بالعبادات التي وعدتكم بها بالدرس الماضي لا تزيد عن عشر دقائق، إن كانت في كل درس فهذا أعون على إتقان الصلاة التي هي عماد الدين، وكتاب "مراقي الفلاح "، كتاب في العبادات فقط، وفي الفقه الحنفي فقط، كتاب موجز، ومبوَّب، ومقنَّن ومرقَّم، والقراءة فيه سهلة، وله متن وله شرح، فإذا استعصى عليك شيءٌ في المتن، رجعتَ به إلى الشرح، ففي الوضوء يقول مؤلف الكتاب طبعاً استناداً إلى استنباطات العلماء:
أركان الوضوء أربعة، وهي فرائضه:
الأول: غسل الوجه، وحدُّه طولاً، من مبدأ سطح الجبهة، إلى أسفل الذقن، وحدُّه عرضا ما بين شحمتي الأذنين.
والثاني: غسل اليديين مع المرفقين، ليس إلى المرفقين بل مع المرفقين، فالمرفق داخل في غسل اليد.
والثالث: غسل الرجلين مع الكعبين.
والـرابع: مســح ربع الرأس.
سبب الوضوء:
استباحة ما لا يحل إلا به، فهل تحل الصلاة بغير وضوء ؟ لا، فإنها لا تحلُّ إلا به، لاستباحة الصلاة، واستباحة الطواف، وهذا حكمه الدنيوي، وحكمه الأخروي الثواب في الآخرة.
الوضوء عبادة، فإذا قام الإنسان ليتوضأ، وقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، دخل في عبادة.
وشرط وجوبه:
1ـ العقل 2ـ والبلوغ 3ـ والإسلام 4 ـ والقدرة على استعمال الماء الكافي، فإذا كان الإنسان لا يقدر على استعمال الماء، أو يقدر والماء غير كافٍ فعندئذٍ يتيمَّم 5 ـ ووجود الحدث 6ـ وعدم الحيض 7ـ والنفاس، فلولا الحدث لما وجب الوضوء 8 ـ وضيق الوقت.
في بعض الصلوات ؛ كصلاة العيدين، أو صلاة الجنازة، إذا كان الوقت ضيقاً حيث تفوته الصلاة إذا ذهب ليتوضَّأ جاز له التيمم، لضيق الوقت.
إذاً شرط وجوبه: العقل، والبلوغ، والإسلام، والقدرة على استعمال الماء الكافي، ووجود الحدث، وعدم الحيض، والنفاس وضيق الوقت.
شروط صحته ثلاثة:
1ـ عموم البشرة بالماء الطهور، يعني أن يبلغ الماء كل الأماكن التي نص عليها الشرع بالماء الطهور 2ـ وانقطاع ما ينافيه من حيض ونفاس، وحدث 3ـ وزوال ما يمنع وصول الماء إلى الجسد، يعني طلاء الأظافر يمنع وصول الماء، والشحم يمنع وصول الماء، والعجين يمنع وصول الماء.
وعندنا شروط الوجوب، كما عندنا شروط الصــحة.
هذا فصل قصير، وبعدها ننتقل إلى موضوع آخر.
يجب غسل ظاهر اللحية الكثة، واللحية نوعان ؛ طبعاً الذقن غير اللحية، وكثيرون يظنون أنّ الذقن هي اللحية، فيقال: ما له ذقن، أو لم يربِّ ذقنه، فكل واحد منا له ذقن، الذقن شيء، واللحية شيء، ويستعمل العامة خطأً الذقن بدل اللحية، إذًا فمن كانت له لحية كثة، يعني غزيرة الشعر، يجب غسل ظاهرها، والشرع لم يكلَّفكَ بغسل أصول اللحية، عندئذ تحتاج إلى تنشيف على الهواء، وهذا أمرٌ صعب، فوق الطاقة، وعليه غسل ظاهر اللحية الكثة في أصح ما يُفتى به، ويجب إيصال الماء إلى بشرة اللحية الخفيفة، فإذا كانت اللحية خفيفة وجب أن يصل الماء إلى البشرة، أيْ إلى أصل اللحية، ولا يجب إيصال الماء إلى المسترسل من الشعر عن دائرة الوجه، فإذا كان لك شعر مسترسل لا يجب إيصال الماء إليه، ولا إلى ما انكتم من الشفتين، إذا ضمَّ إنسان شفتيه فهناك جزء من الشفتين من داخل الفم، فالجزء الذي يعد من داخل الفم لا يجب إيصال الماء إليه، ويجب تحريك الخاتم الضيق، وإيصال الماء إلى أصل اللحية الخفيفة، وغسل ظاهر اللحية الكثة، يعني الكثيفة، وعدم وجوب إيصال الماء إلى ما استرسل من الشعر الخارج عن دائرة الوجه، فهذه معلومات جانبية متعلقة بالموضوع.
شيء آخر: لو ضره غسل شقوق الرجلين، إذا كان في الأرجل شقوق، يعني مذبوحة من الشتاء، وهي مؤلمة، ويؤذيها الماء وضره غسل شقوق رجليه جاز إمرار الماء على الدواء الذي وضعه فيها.
وبعد ؛ شخص واحد له لحية كثة توضأ فرضاً وحلقها، لا يقال له: أعد الوضوء، ولا يعاد المسح، ولا الغسل على موضع الشعر بعد حلقه ولا الغسل بعد قص ظفره، وشاربه.
فإذا طرأ بعد الوضوء، قص ظفر، أو قص شارب، أو حلق شعر لم يصل الماء إليه عند الوضوء، فالشرع متساهل لا يجوز أن تعيد الوضوء في هذه الحالات، يعني معلومات لطيفة ويحتاجها كل إنسان، وهذا مما يعين على إتقان الوضوء، لا زلنا في موضوعات أخرى، وإن شاء الله نتابعها في الدرس القادم، هذا ويسن في الوضوء ثمانية عشر شيئاً، نقرؤها الآن مجرد قراءة، وربما عدنا إليها في الدرس القادم.
يسن في الوضوء ثمانية عشر شيئاً:
1ـ غسل اليدين إلى الرسغين 2- والتسمية ابتداء 3 - والسواك في ابتدائه ولو بالإصبع عند فقده، فالسواك من سنن الوضوء، لم تجد السواك فبالإصبع 4 - والمضمضة ثلاثا ولو بغرفة واحدة، طبعاً عندنا سنة التكرار، وسنة المضمضة، فإذا أخذت غرفة يمكن أنْ تتمضمض فيها ثلاث مرات، فالمضمضة تحريك الماء بالفم مرة أولى، ثم مرة ثانية، ثم مرة ثالثة، إذاً والمضمضة ثلاثا ولو بغرفة واحدة 5 - والاستنشاق بثلاث غرفات، قطعاً لأن الاستنشاق ليس عندك عضلات بالأنف تحركها ثلاث مرات، فلابد من المرة الأولى، والثانية، والثالثة، أما بالفم فممكن، إذاً يجوز أن تتمضمض ثلاث مرات بغرفة واحدة، ولا يجوز أن تستنشق ثلاث مرات بغرفة واحدة، فثلاث مرات ثلاث غرفات 6 - والمبالغة في المضمضة والاستنشاق، المبالغة تعني إيصال الماء إلى كل أنحاء الفم، وإيصال الماء إلى أقصى الأنف المبالغة لغير الصائم 7ـ وتخليل اللحية الكثة بكف ماء من أسفلها، والتخليل يعني: بالأصابع، الأصابع مبتلة تخلل اللحية الكثة، بكف ماء من أسفلها 8 - وتخليل الأصابع 9 - وتثليث الغسل، كل عضوٍ ثلاثًا ثلاثًا، أول مرة تدلك، والثانية إسالة الماء، والثالثة التأكد من التنظيف 10- واستيعاب الرأس بالمسح مرة، ويجوز مسح ربع الرأس، أما السنة فكامل الرأس 11- ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، فهذا ممكن، أن تمسح الأذنين بماء الرأس نفسه، طبعاً تُدخل إصبعك إلى داخل الأذن، وتمررها بتجاويفها وخطوطها، ثم ظاهر الأذن والرقبة 12- والدلك.
أحدث شيء سمعته من طبيب جزاه الله خيراً أن هناك عصيات بالمستقيم اسمها العصيات الزرق، هذه متواجدة بالمستقيم، ولها وظائف حيوية، ومحظور عليها لأسباب يصعب شرحها أن تنتقل إلى داخل الجسم أو إلى الدم، فإذا دخلت في الفم بسبب عدم الاحتراز منها، عدم إتقان الغسل، إذا دخلت إلى الفم ووصلت إلى الدم سببت أمراضًا وبيلة.
فالأحاديث الشريفة تحضُّنا على المبالغة بالطهارة، فإذا دخل إنسان المرحاض وجب أن يبالغ في تنظيف يديه، ولا سيما الأنامل عند الأظافر، عند هذه الثنيات، فلو أن عصية زرقاء دخلت إلى الفم ولم يكن المتوضأ قد اعتنى بتغسيل يديه، فهذا يسبب له أمراضاً، يجب أن تعلموا أن أوامر النبي الكريم مبنية على حقائق علمية لأن الله سبحانه وتعالى أوحى له بذلك:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)﴾
( سورة النجم: 3 ـ 4 )
11- ومسح الأذنين ولو بماء الرأس، 12- والدلك، 13- والولاء، كشخصٍ غسل وجهه، فرنَّ جرس الهاتف، وتكلَّم ربع ساعة، ثم رجع وأكمل غسل يديه، فلم تتوفَّر الموالاة، بل صار في الوضوء انقطاع، فيجب أن يتوضأ مرة واحدة،14- والنية، 15- والترتيب، فالإنسان أحيانًا ينسى فيغسل رجليه قبل يديه، فاختلَّ الترتيب وخالف السنة كما نص الله تعالى في كتابه، 16- والبداءة بالميامن، في كل شيء تبدأ باليمين، 17- ورؤوس الأصابع، ومقدم الرأس 18- ومسح الرقبة إلى الحلقوم، إذًا الميامن، والترتيب، والنية، والولاء، والدلك، ومسح الأذنين بماء الرأس، واستعياب الرأس كله، وتثليث الغسل، وتخليل الأصابع، وتخليل اللحية الكثة من أسفلها، والمبالغة في المضمضة، والاستنشاق لغير الصائم، والمضمضة ثلاثًا بغرفة واحدة أو بثلاث غرفات، أما الاستنشاق فبثلاث غرفات قطعاً، والسواك ولو بالإصبع، والتسمية ابتداءً، وغسل اليدين إلى الرسغين، وهذه ثمانية عشر شيئاً هي سنن الوضوء، وفي الدرس القادم إن شاء الله نتحدث عن آداب الوضوء وهي أربعة عشر أدبًا.
كتاب إحياء علوم الدين:
وبعدُ فإلى بعض الفصول المختارة من إحياء علوم الدين، ولا زلنا في الموضوع الكبير، وهو العلم.
الدرس اليوم "وظائف المعلم"، تحدثنا عن آداب المتعلم، واليوم وظائف المعلم، فإذا وضعك الله عز وجل وأكرمك في مقام التعليم فعليك واجبات، ابحث عن واجباتك قبل أن تبحث عن حقوقك قبل أن نبدأ بالواجب الأول هناك مقدمة لطيفة.
اعلَمْ أن للإنسان في علمه أربعة أحوال، كحاله في اقتناء الأموال، إذ لصاحب المال حالةُ استفادةٍ فيكون مكتسباً، إذًا أولاً كسب المال، وحالُ ادخار لما اكتسبه، فيكون به غنياً عن السؤال، وحالُ إنفاقٍ على نفسه فيكون منتفعاً، وحالُ بذلٍ لغيره فيكون به سخياً متفضلا، وهو أشرف الأحوال.
شيء جميل: اكتساب، وادخار، وإنفاق على نفسه، وإنفاق على غيره، والإنفاق على الغير هو أشرف الأحوال، هو السخاء، هو الفضيلة، وكسب المال ضرورة، وادخاره شح، وإنفاقه على النفس أنانية، وكسبه ضرورة، فلا بد أن نعمل، فادخاره شح، وإنفاقه على الذات أنانية، أما إنفاقه على الآخرين فهذه فضيلة، فكذلك العلم يُقتنَى كما يُقتنَى المال، فله حال طلب واكتساب، وحال تحصيل يغني صاحبه عن السؤال، وحال استبصار، وهو التفكر المحضُ والتمتع به، وحال تبصير، وهو أشرف الأحوال.
إذًا أوّلاً تَعَلُّم، وبعدما تعلمت، جمعت حقائق كثيرة، ومعلومات كثيرة، وفهمت شيئاً كثيراً من كتاب الله، ومن سنة رسول الله، فشعرت بالغنى، هذا الادخار، تأملت فيما تعرف، وتبصرت فيما حصّلت، فشعرت بالراحة، الآن أنفقته على نفسك، فاعملْ به، واستفد منه، أما حينما تعلِّمه غيرك، فهو أشرف الأحوال.
فمن عَلِمَ وعمل وعلّم فهو الذي يدعَى عظيمًا في ملكوت السماوات والأرض، عَلِم وعمِل وعلّم، هذه سورة نقرؤها كل يوم عشرات المرات
﴿وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾
( سورة العصر: 1 ـ 3 )
عَلِمَ وعمل ودعا، علم وعمل وعلّم، وإذا واجهته معارضات ولاقى تضيقًا، صبر، فلا يترك طلب العلم بسرعة، واللهِ أنا لا أريد هذه العمل، لأنّ بها وجع رأس فلا أريدها، علم وعمل وعلّم وصبر، فإذا توافرت هذه كلها فيسمَّى عظيماً في ملكوت السماوات والأرض، اسمعوا التشبيه اللطيف، قال: فإنه كالشمس تضيء لغيرها وهي مضيئة في نفسها، وكالمسك الذي يطيِّب غيره وهو طيب، والذي يعلِّم ولا يعمل به، كالدفتر الذي يفيد غيره وهو خال من العلم، والدفتر الفارغ تملؤه علمًا فيفيدك، أما الدفتر فهو جاهل ويبقى جاهلاً، وكالمِسن الذي يشحذ غيره ولا يقطع، والإبرة تكسو غيرها وهي عارية، والمصباح يضيء لغيره وذبالته تحترق، فالذي يتعلم ويعمل ويعلّم، كالشمس، والمسك، والذي يتعلم ويعلم ولا يعمل كالشمعة تحرق نفسها وتضيء غيرها، لذلك نسأل الله أنْ الله يجعلنا من الصادقين في طلب العلم، وأنا أدعو بدعاء دائماً، اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعدَ بما علمت مني، يعني أنَّ واحدً علَّمتُه ويسبقني، واللهِ هذه صعبة، وشيء مؤلم، تعلِّمه حديثًا يطبقه ويسعد به إلى الأبد، وأنت لا تطبقه، تُعلمه آيةً ويطبقها بحذافيرها، فيجلب منها خير الدنيا والآخرة، وأنت لا تطبِّقها، واللهِ هذا الشقاء كلُّه، لذلك سئل النبي الكريم:
((مَنْ أندم الناس ؟))
أندم اسم تفضيل – قال رجل دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار، وفي صحيح البخاري حديثٌ يقصم الظهر، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لأُسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي لا أُكَلِّمُهُ إِلا أُسْمِعُكُمْ إِنِّي أُكَلِّمُهُ فِي السِّرِّ دُونَ أَنْ أَفْتَحَ بَابًا لا أَكُونُ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ وَلا أَقُولُ لِرَجُلٍ أَنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا إِنَّهُ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ، قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ:
((يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ ))
[أخرجه البخاري ]
لذلك :
وعالم بعلمه لم يعمــــلن معذب من قبل عباد الوثن
اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد مني بما علمتني، اللهم أعوذ بك أن أكون عبرة لخَلْقك، اللهم إني أعوذ بك أن أتجمل بشيء يشينني عندك، اللهم إني أعوذ بك أن أقول للناس قولاً في رضاك ألتمس به أحدًا سواك، القول جيد، القول في رضى الله عز وجل، لكن القائل يلتمس به أحدًا سواك، لذلك أيها الإخوة الأكارم، الإخلاصَ، الإخلاصَ، فقليل من العمل ينفع مع الإخلاص، ومع غير الإخلاص لا ينفع لا قليل العمل ولا كثيره، لذلك: يا معاذ أخلص دينك يكفِكَ القليلُ من العمل، أخلص دينك.
وبعد هذه مقدمة نقول:
الوظيفُة الأولى للمعلم الشفقُة على المتعلمين، وأن يجريهم مجرى بنيه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، أُعَلِّمُكُمْ إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ، وَلا تَسْتَدْبِرُوهَا، وَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَنَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ ))
( أخرجه ابن ماجه )
إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، حتى الشيء الثابت الذي لا يأتيه الباطل، أنا رحمة النبي عليه الصلاة والسلام لأمته والخلق جميعاً أشد من رحمتهم لأنفسهم.
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾
( سورة التوبة: 128 )
إذا تحدَّاك إنسان، وقابلك مقابلة سيئة، وأنت تقتدي برسول الله فكيف تواجهه، جاءه جبريل قال أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، يقصد أهل الطائف، قال: لا اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحِّد الله، فرحمته فوق رحمتنا لأنفسنا، وفوق رحمتنا لأولادنا، هذا شيء ثابت، إنما أنا مثل الوالد لولده، إذاً على المعلم أن يقصد إلى إنقاذ المتعلمين من نار الآخرة، وهي أهم من إنقاذ الوالدين ولدهما من نار الدنيا، فإذا كان نشب بالبيت حريق، والابن بالحمام، والحريق من أطراف البيت كله، فإنَّ الأم أو الأب يقتحم أحدهما النار لينقذ ابنه، فإنقاذ الأب ابنه من نار الدنيا ليس بشيء أمام إنقاذ النبي عليه الصلاة والسلام أتباعه من نار الآخرة، فهذه نار مؤقتة، قد يكون الحريق من الدرجة الأولى ولكنه يشفى بإرادة الله، والدرجة الثانية يشفى أيضًا، وبالدرجة الثالثة قد يعيش مشوَّهًا، أما نار الآخرة فليس لها حل، لذلك صار حق المعلم أعظم من حق الوالدين فإن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية، وبالنسبة للدنيا إذا دلَّك شخص على شغلة مربحة وربحت منها فأنت مدِينٌ له، لقد حكى لي أخ، وهو واللهِ صادق عندي، أنَّه اشترى بيتًا أنزل صاحبُه السعر سبعين ألفًا، أنا مبدئِيًّا ما صدقت، خفَّض سبعين ألفًا، قال لي: نعم والله، سألت ما السبب ؟ قال لي: إنَّ صاحب البيت في بداية عمله التجاري دَلَلْتُه على مصلحة ربح منها الملايين، فلم ينس هذا المعروف، إذًا فتخفيض سبعين ألفًا مبلغ يسير، لكنها ثروة طائلة جاءت نتيجة مساعدة سابقة وإرشاد، فقد دعمه ووجهه، فإذا نزل له في سعر بيت سبعين ألفًا فمبلغ بسيط مقارنة بالمليون، فإذا أصاب شخصًا في الدنيا خيرٌ عن طريق شخص آخر فتراه مدينًا له طوال حياته، فإذا كانت المساعدة والدلالة تتعلق بالحياة الأبدية وبالجنة التي عرضها السماوات والأرض، إذْ لا فناء، ولا كبر، ولا مرض، ولا هم، ولا حزن، ولا قلق، فَعَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ اللَّهُ:
((أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لا عَيْنٌ رَأَتْ وَلا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) ))
[ أخرجه البخاري ]
إذا دخل شخص بيتًا فخمًا بمصيف جميل، فقال: وَاللَّهِ إنّه جميل ، فقال لك صاحبه: خذه، وهو يساوي مليونين ونصف، إنّه لك، مع السيارة، وهذا دخل شهري قدْرُه عشرة آلاف ليرة، ألا تشعر أنك صغرت أمامه، والمعلم في الدنيا هو السبب في دخول الجنة، لذلك قالوا: حق المعلم أعظم من حق الوالدين، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، إذا ترك لك الأبُ مائة مليون، أجلْ هناك آباء تركوا مائة مليون، فإذا مات الابن انتقلت التركة إلى غيره، فمهما كان عطاء الأب غزيرًا يفقده الابنُ بالموت، أما عطاء المعلم فهو إلى أبد الآبدين، لا ينفد خيرُه، والمعلم سبب الحياة الباقية، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم، وإنما العلم هو المفيد إلى الحياة الأخروية الدائمة، أعني معلم علوم الآخرة، لا رياضيات ولا هندسة، معلم علوم الآخرة، فإذا عرفت الله عز وجل، واستقمت، وعملت الأعمال الصالحة هذا الذي يعلمك، فأما التعليم على قصد الدنيا فهو هلاك وإهلاك، نعوذ بالله منه، تتعلم من أجل الوجاهة، والمنصب والرياسة وترأستَ المجتمعات، وتصدَّرتَ المجالس، فإذا كان هذا هو العلم، فهذا هلاك بهلاك، هذه الوظيفة الأولى للمعلم، أن يعلم المتعلمين كأبنائه.
الوظيفة الثانية: أن يقتديَ بصاحب الشرع صلوات الله عليه وسلامه، فلا يطلب على العلم أجراً، ولا يقصد به جزاء ولا شكوراً، بل يعلمه لوجه الله تعالى، وطلباً للتقرب إليه، وأن يكون هذا العمل خالصاً لوجه تعالى، لا يريد جزاء، ولا شكوراً، لا تلميحاً، ولا تصريحاً، ولا مادة، ولا معنى، ولا شيئًا من هذا، ولا يرى لنفسه مِنَّة عليهم، هنا تبرز المشكلة، إنّه لم يطلب منهم شيئًا، ولكنه شعر بذاته أن له فضلاً عليهم، وهذا أكبر عيب هذا، قال العلماء: ولا يرى لنفسه منَّة عليهم، وإن كانت المنّة لازمة عليهم، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ إذا علَّمتَ إنسانًا وقبل أنْ يتعلم منك واستجاب لك، فهو ذو فضل عليك، وليس لك فضل عليه، لو ما تعلم منك، فلو أنّه لم يتعلم على يديك، فقد حُرِمتَ الأجر عند الله، لكن هؤلاء الذين استجابوا لك واستمعوا وطبقوا وسعدوا كلهم في صحيفتك، فهم سبب سعادتك، كالتاجر الذي فتح محلاً فخمًا، ثم لم يدخله أيُّ زبون، فما قيمة المحل ؟ فهنا الإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه يقول: لا يكفي ألاّ يطلب أجرًا ولا أن يحس أن له فضلاً عليهم، فهو مخطئ، بل لهم الفضل عليك، لأنهم استمعوا، واستجابوا، وإن كانت المنَّة لازمة عليهم، بل يرى الفضل لهم إذ هذَّبوا قلوبهم، فأنتَ تتقرب إلى الله تعالى بزراعة العلوم فيها، وهذه الأمثال جميلة.
قال: كالذي يعيرك الأرض لتزرع فيها لنفسك، فقال لك: خذ الأرض وازرعها، والمحصول لك، فمنفعتك بها تزيد على منفعة صاحب الأرض، فكيف تقلده منَّة، وثوابك في التعليم أكثر من ثواب المتعلم عند الله تعالى، ثواب المعلم عند الله أكثر من ثواب المتعلم، إذاً من له الفضل على الآخر، المتعلم له الفضل، إذْ لولاه لمَا نلت هذا الثواب، فلا تطلب الأجرة إلا من الله تعالى كما قال عز وجل:
﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ (29)﴾
( سورة هود: 29 ).
فإن المال وما في الدنيا كلها خادم للبدن، والبدن مركب النفس ومطيتها، والمخدوم هو العلم، قال العلماء: إذ به شرف النفس ؛ فمن طلب بالعلم المال، كان كمن مسح أسفل حذائه بوجهه لينظفه، إذا طلب أحدٌ على دعوته إلى الله منفعةً ماديةً أو معنوية كمن مسح حذاءه بوجهه لينظفه، الحذاء خادم، والوجه مخدوم، لكنك جعلتَ المخدوم خادمًا، والخادم مخدومًا، وهذا هو الانتكاس على أم الرأس، وسوف نتابع هذه الوصايا.
ثم عليك أنْ تترفع عن الدنيا، اجعل الدين في السماء، ولا تمرغه في الوحل، هناك أناس مرَّغوه في الوحل، وأساءوا إليه إساءة كبيرة، فلا تطلب على دعوتك إلى الله ولا على تعليمك أجراً، واحتسب الأجر عند الله تعالى، وإذا كنت طموحًا فاترك الأجر لله عز وجل، وإليك بعض الأحاديث الشريفة.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ،
((أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))
[ أخرجه البخاري ]
وبصراحة أريد أنْ أقول لكم، إذا كان الدين عندك حضور مجالس علم فقط، فليس عندك روحانية، ولا تشعر بسرور، واعلم أنّ الإيمان له حلاوة، فإذا أكلَ الإنسانُ أكلة طيبة وهو جائعٌ، ألا يسعد بها ؟ بلى، فالإيمان له حلاوة، قال عليه الصلاة والسلام: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ، الأولى: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، كيف ذلك ؟ مثلاً دعاك شخصٌ وأنت لم تصلِّ الظهر، تعتذر حتى تصلي الظهر أولاً، اعتذِرْ عن كل شاغلة لتصلي الظهر بإتقان ورويَّة وإلاّ فأنت في غنى عن دعوته، مثالٌ آخر ؛ دخلتَ أنت وصديق محلاًّ، وهذا المحل لا يجوز أن تدخله، تقول: استحييت منه فدخلتُ، يعني أنّ هذا الصديق أغلى عليك من الله ورسوله، وإذا قلت أنا لا أدخل، وهذا خطأ، وكان الأولى ألاّ تدخل، وأنت حين تضحي بصداقات الناس من أجل إرضاء الله عز وجل فقد عملتَ صوابًا، ولن يتخلَّى الله عنك، فهو وليُّك، وعندما تؤثر صديقًا على محبة الله، وتؤثر مبلغًا من المال على رضى الله عز وجل، فقد جعلتَ منفعتك مقدمة على طاعة الله و مرضاته، لكنّك إذا كان الله ورسول أحبَّ إليه مما سواهما، فتقول: معاذ الله، كما قال سيدنا يوسف حين دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله رب العالمين.
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)﴾
( سورة يوسف: 23 )
فالمؤمن صاحب مبدأ، وله مواقف، فقد يلين الجبل، ولا يلين هو، فمواقفه صلبة، لأنه يحب الله ورسوله أكثر مما سواهما، أما بعض الأشخاص إذا دعي إلى حفلة مختلطة يقول: واللهِ استحييت، وأنا أرى أنّ مجاملة الآخرين لا بد منها، ولا بد من مسايرتهم، وأرجو الله أنْ يغفر ذنوبنا، هذا يعني أنّ محبة الناس ومجاملتهم مقدمة على محبة الله و رسوله، إذا كانت لك علاقة ربوية قلت: هكذا يريد شريكي، فالدرهم والدينار أحب إليك من الله ورسوله، قال لي شخص: الحمد لله، إني أصلي الصلاة في وقتها وفي المسجد، ولكن أسأل الله أنْ يصلح شريكي في المطعم فإنّه يقدِّم خمرًا، أصلحه الله و هداه، قلت له: انسحب، فقال: أنسحب ؟ أرباحه طائلة، لكني لا أذهب إلى المطعم أبداً، والحمد لله، الأمرُ برقبته، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، واللهُ عز وجل يضع المؤمن في ظروف، وهذه الظروف يخلقها الله خلقًا، ليظهر الإنسانُ على حقيقته، فيما إذا كان الدرهمُ والدينا أحبَّ إليه من الله ورسوله، أو أن الَله ورسوله أحبُّ إليه من الدرهم والدينار، يقول: الضرورات تبيح المحظورات، العلماء قالوا: هذه الضرورات إذا خِفْتَ فَقْدَ الحياة، أو فَقْدَ أحد الأعضاء، فعندئذ الضرورات تبيح المحظورات، يقول المؤمن: واللهِ آكلُ خبزًا يابسًا ولا آخذ مالاً حرامًا، أرضى أنْ آكُل خبزاً فقط، ولا آخذ هذا المال الحرام، نجحت حينئذٍ، وبعدها سوف نعطيك الرضا، والرحمة، والتجلي والمال، فالله عز وجل:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) ﴿
( سورة العنكبوت: 2 )
لا يمكن لإنسان أنْ ينجو من الفتنة، فربنا عز وجل عنده محكٌّ، لتَتَكَلَّمْ بما شئت، كأنْ تقول: أنا أحب الله، ومحبة لا يعلمها إلا الله، ثم تمر أمام فتاة جميلة فتنظر إليها و تحدق، فأين الذي في قلبك من محبة الله ؟ لا توجد مادة في قانون أرضي تحاسبك، تنظر، أوْ لا تنظر، أما ربنا فيحاسبك إذا نظرت وضربَ على اسمك بأنك لستَ له محبًّا، ورسبتَ في الامتحان، فاحذرْ فإنَّ علاقتك مع الله عز وجل، ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ، أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، فإذا آثرتَ محبة الله ورسوله جمعت الدنيا والآخرة، لذلك: من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً.
أمّا الثانية: وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، في دنياكَ أشخاص تحبهم لله، لا هو زبون، ولا صديق، ولا قريب، ولا صهر، ولا جار، ولا عنده سيارة فتركبها، ولا حالته المادية جيدة، فيدعونا لمائدته، ليس مِن علاقة بينك وبينه، إلا علاقة الأخوة في الله، تشعر نحوه بمحبة آسرة، وتعقيبًا على هذه الظاهرة ذكر لي شخصٌ فقال: واللِه إذا مضى يومٌ ولم أرَ صديقي الذي صادقتُه لله فإنّي لا أهنأ، وإذا رأيته أشعر بسعادة عارمة، إذًا علامة المؤمن الصادق أنْ يحب إخوانه في الله محبة عجيبة، خالصةً لله، لا يطمع في مالهم، ولا في مناصبهم، ولا في أي شيء، بل رآه مؤمناً فأحبَّه، ورآه أخلاقياً فأحبه، جاء في الحديث القدسي عَنْ مُعَاذٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَأْثُرُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ:
((وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ، وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ، وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ ))
[ أخرجه أحمد ].
وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ، وجبت، وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ، انظُر مليًّا، فهذه مجالسة لله، دونما مصلحة دنيوية صغرتْ أو كبرتْ، وَجَبَتْ مَحَبَّتِي، أنت الآن ضيف الله عز وجل: إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبد تطهر في بيته ثم زارني، وحق على المزور أن يكرم الزائر،
((وجبت محبتي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ، والمتبادلين فيّ، والمتحابون فيّ جلالي على منابر من نور، يغبطهم عليها النبيُّون يوم القيامة.))
((وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
في أحيان كثيرة تجد الإنسان المسلم يفضل أنْ يأكل تحت المطر، إذا كان خارج بلد، و لا يدخل مطعمًا فيه معصية، يفضل أنْ يأكل شطيرة (سندويشه)، يأكل ما خَشُنَ في طاعة الله، ولا يأكل أفخر المأكولات في مكان يعصى الله فيه، فهذه علامة المؤمن،
(( وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
هذا مقياس لنا جميعاً،أن تنفر من كل ما هو جاهلي، ومِن كل ما هو غير أخلاقي، وأنا أشبه هؤلاء بشخصٍ سقط في كنيف ثم خرج أو أُخرِج و دخل حماما، واغتسل ساعة ثم تعطَّر بالعطورات ذات الأرج الفوَّاح، ولبس الثياب النظيفة، وصفَّف شعره، ثمّ ما لبث أنْ رأى السياقات بمياهها السوداء، أيشتهي أنْ ينزل إلى الكنيف مرة ثانية ؟ فلو حَنَّ إلى الكنيف لكان مجنونًا حقًّا، وهكذا المؤمن بعد أنْ أنقذه اللهُ من القاذورات، والسفالات، والسخافات، ومنكل ما يشين الإنسانَ، كالمزح الفاحش، والغرور، وبذاءة اللسان، والضلالة، فإذا أنقذك الله عز وجل من القاذورات والبذاءات، وطهَّر قلبك بالإيمان، فأنت ذو حظٍّ عظيم، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ، وإذا تحقَّق للمرء هذه الهداية فإنّه يقول: واللهِ لو قطعت إرباً إرباً، فلن أعود إلى ما كنت عليه، هذا شيء يعلمه كل منكم، تكره أن تعود إلى ما كنت عليه، هذا الحديث أُحبُّ أن تحفظوه، وتتمثلوه دائماً، إذًا ألخِّص وأكرِّر: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، فإنْ كنتَ في زيارة لبعض أرحامك ووجدتَ ما لا يرضي الله عز وجل مِن منكر، إذًا تودِّع، والسلام عليكم، وهذا تعليم و تنبيهٌ بمَن كنتَ في زيارتهم.
ثانيا: وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، فلا تقيم مودة و صداقة خالصةً إلاّ إذا كانت قائمةً على رضا الله تعالى، فهذا الذي ينمو بذرُه، ثم يكون منها شجرة، ثم تكون هذه الشجرة ؛ شجرة المحبة والمودة مثمرةً ثمرًا يانعًا، فإنها تعود ثمراتها بخيرٍ على الفرد و المجتمع، و بهذا يكون ظلُّ الإسلام ظليلاً، و يتحقق لنا المعنى السامي للحديث،
((وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّه، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ، هذه صفات المؤمن الحق))
ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، حاسبه الله تعالى حساباً يسيراً يوم القيامة، وأدخله الجنة برحمته، فأعطى المال و عفا عن أهل الإساءة، ووصل رحمه، و ردَّ على الإساءة بإحسان، فسيدنا ابن مسعود رَضِي اللَّه عَنْه فَقَدَ مالاً، فتوجه إلى الله عز وجل وقال: اللهم إن كان الذي أخذ هذا المال عن حاجة فبارك له فيه، وإن كان قد أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه يا رب، وآخر بالغ في الإساءة لصحابي فقال له: إن كنتَ صادقًا فيما تقول فغفر الله لي، وإن كنتَ غير صادق فغفر الله لك، فالمؤمن يترفَّع عن مستوى المشاحنة، والخصومات، ويعلو عن كلِّ ما فيه عيبٌ وشين، ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ، فقد سما في معارج القبول، فأنت رجلٌ منَّ الله عليك بنعمةٍ كبرى هي نعمة الهداية، والسلوك الأخلاقي الإيجابي، وأقرى الضيف، وكذلك من أدَّى، وأعطى على النائبة، فهذا برئ من الشح، فلا يسمى شحيحاً، وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده، ودخل بها على أولاده، فقد يذهب الإنسان إلى السوق يشتري خضارًا ويحمل حملاً ثقيلا، فهذا فخر، أنت عندئذٍ بريء من الكبر، فاحملْ حاجتك بيدك، لقد برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، الثالثة: بئء من النفاق من أكثر من ذكر الله ، فإذا أكثرت من ذكر الله، فأنت بريء من النفاق، وبريء من الشح من أدى زكاة ماله، وأقرى الضيف، وأعطى على النائبة، وبريء من الكبر من حمل حاجته بيده، وبريء من النفاق من أكثر ذكر الله.
والحمد لله رب العالمين

نواقض الوضوء .

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون ؛ وصلنا في موضوع الفقه إلى نواقض الوضوء، ونواقض الوضوء لا نحتاج إلى أن نقف عندها كثيراً، بل نكتفي بأن نقرأها، ونشرح بعضها.

أولاً : خروج شيء من أحد السبيلين.

ثانياً : ينقض الوضوء ولادة من غير رؤية دم.

ثالثاً : نجاسة سائلة من غيرهما، أيْ من غير السبيلين، والنجاسة السائلة دم أو قيح.

رابعاً: قيء طعام ملء الفم، فالقيء إذا ملأ الفم ينقض الوضوء.

خامساً: دم غلب على الريق أو ساواه، فإذا خرج من الفم دمٌ غلبَ على الريق، فهذا ينقض الوضوء.

سادساً: النوم، وليس النوم ذاته ينقض الوضوء، ولكن النوم يضعف سيطرة الإنسان على أعضائه، فالنوم ينقض الوضوء لغيره، لا لذاته.

سابعاً: إغماء، وجنون، وسَكر، وقهقهة بالغ يقظان في صلاة ذات ركوع وسجود، والعلماء قالوا: القهقهة وحدها لا تنقض الوضوء، ولكن الإنسان يتوضأ إذا تقهقه في الصلاة تأديباً له على استخفافه بهذه العبادة العظيمة.

وعشرة أشياء لا تنقض الوضوء:

1ـ ظهور دم لم يسل عن محله، فلو فَرَضْنا إنسانًا ثقبت يده بدبوس صغير، فخرجت نقطة دم لم تسل من محلها فهذا الدم لا ينقض الوضوء.

2ـ وسقوط لحم من غير سيلان دم، فقد تكون بثورٌ في الجلد، فإذا نزعت هذه البثور لم ينتقض الوضوء.

3ـ ومن مس امرأة، على المذهب الحنفي يعني امرأة: زوجته، فإذا مس امرأة أجنبية فإن إسلامه ينتقض، فمسُّ الرجل امرأته لا ينقض الوضوء، في المذهب الحنفي، والإمام الشافعي يقول: مس امرأة ينقض الوضوء، والتوفيق بينهما، أن الإنسان إذا مس يد امرأته وشعر بشيء فعليه أن يتوضأ، وإذا لم يشعر بشيء فلا عليه إذا لم يتوضأ.

إذاً: التقليد في المذاهب وارد، والتلفيق مرفوض، التلفيق تصَيُّد الرخص في المذاهب، والتقليد أن تقلِّد المذهب في العلّة التي شرع هذا الحكم من أجلها، لذلك بعض العلماء قال: اختلاف الأئمة ليس اختلاف حجة وبرهان، إنما اختلاف بيئة وزمان، فلو أن الإمام أبا حنيفة رَضِي اللَّه عَنْه وُجِد في زمان الشافعي، وفي بيئته لانطبقت أحكامُه على أحكام الإمام الشافعي، فاختلاف الأئمة ليس اختلاف حجة وبرهان إنما اختلاف بيئة وزمان.

وشيء آخر: اختلاف العلماء الفقهاء، اختلاف رحمة، فاتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، و الاختلاف اختلاف غنى.

جاءني رجل قبل الدرس يستفتيني في موضوع، والإمام مالك قال: أحقًّا لو أن الإنسان أقسم بالطلاق ثلاث طلقات في مجلس واحد لا تنعقد إلا طلقة واحدة، نعم، لأن الثانية والثالثة تأكيد للأولى، فوقع طلقة واحدة، فاختلاف المذاهب رحمة واسعة، جاء عالم آخر قال: إن لم تكن الزوجة طرفاً في الموضوع، وكان زوجها يكره فراقها، كما يكره مفارقةَ دينه، فإن هذه اليمين لا تنعقد، لا ينوي الطلاق، ولا يقصد الطلاق إطلاقاً، أراد أن يردعها، فإنّ هذا الطلاق هو المعلق، فهناك طلاق منجز، وطلاق معلق، وعلى كلٍ اختلاف الأئمة رحمة واسعة.

4ـ وتمايل نائم، يسمع ما يقال، فما دام الذي يغمض عينه ويسمع ما يقال فوضوءه لم ينتقض، طبعاً في حكم: " ونومُ مصلٍّ، المصلي ينام ؟ فلو فرضنا إنسانًا متعبًا تعبًا شديدًا،، وغفل ثواني وهو في القعود فلا ينتقض وضوؤه ما دام مصلياً، وسوف نتابع هذه الموضوعات في درس قادم إن شاء الله تعالى.
* * *
كتاب إحياء علوم الدين
وسنقوم فيما يلي بمتابعة فصول مختارة من إحياء علوم الدين للإمام الغزالي رَضِي اللَّه عَنْه، ولهذا الإمام كلمة في العلم يقول: العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يُعْطِك شيئاً.

تحدثنا في الدرس الماضي عن آفات العلم، وقد بيَّن الإمام الغزالي أن للعلماء المخلصين؛ وهم علماء الآخرة علامات، فمن هذه العلامات ألاّ يطلب العالم الدنيا بعلمه، فإن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة الدنيا وخستها، وكدورتها، وخطورتها، وانصرامها ؛ أيْ زوالها، وأن يدرك عظم الآخرة ودوامها، وصفاء نعيمها، وجلالة ملكها، ويعلم أنهما متضادتان، والموضوع دقيق، وهذه آيات تقول:
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)﴾
( سورة الرحمن: 46 )
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)﴾
( سورة البقرة: 201 )
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97)﴾
( سورة النحل: 97 )
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21)﴾
( سورة الجاثية: 21 )
﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
( سورة السجدة: 18 )
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾
( سورة القصص: 61 )
من كل هذه الآيات والأحاديث يتضح أن المؤمن سعيد في الدنيا، فكيف يفسر قول عليه الصلاة والسلام
(( مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى))
[ أخرجه أحمد عَن أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ]
هذا الحديث قد يحمل على محمل آخر، هناك في اللغة العربية أسلوبُ استفهامٍ ليس فيه أداة استفهام، وسيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه فيما يروي التاريخ حينما رأى امرأة جائعة مع أطفالها، ذهب إلى بيت مال المسلمين، وقال لخادمه: احمِل على ظهري كيساً، فقال: أحمله عليك، أم عنك، فقال له: احمله علي، أنت تحمل وزري يوم القيامة، كلمة "أنت تحمل وزري يوم القيامة "، هذا كلام بحسب الظاهر تقريبي، لكن صياغة هذا الكلام، والسياق العام يؤكد أنه استفهامي، وكذلك سيدنا موسى حينما التقى بفرعون:
﴿ قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)﴾
( سورة الشعراء: 20 )
لا يمكن أن يستقيم السياق على أن تفهم الجملة فهماً تقريرياً، وهل يُعقل أن يكون النبي ضالاً ؟
﴿ قال فعلتها إذا وأنا من الضالين﴾
يجب أن نفهم هذه الآية فهماً على صيغة الاستفهام، بعض العلماء قالوا: من أحب دنياه أضر بآخرته، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ؟ لا ولمن خاف مقام ربه جنتان لكن من طلب الدنيا لذاتها ربما كان هذا فيه ضرر لآخرته، فعلى هذا المحمل نحمل هذا القول الطويل، يقول الإمام الغزالي: لو يعلم أنهما كالضرتين، مهما أرضيتَ إحداهما أسخطتَ الأخرى، وأنهما ككفتي ميزان، مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى، وكأنهما كالمشرق والمغرب، مهما قربت من أحدهما بعدت عن الآخر، وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ ؛ فبقدر ما تصب منه في الآخر حتى يمتلئ يفرغ الآخر ؛ فإنه من لا يعرف حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج لذتها بألمها ثم انصرام ما يصفو منها، فهو فاسد العقل.
في أثناء أدائنا العمرة، لي قريب قال لي: انظر إلى هذا البناء، بناء يناهز ثلاثين أو أربعين طابقًا، ما وقعت عيني على بناء أجمل منه، قال: هذا البناء توفي صاحبُه قبل افتتاحه بأسبوع، وقيل: هذا البناء كلف صاحبه عشرات الملايين، وتوفي عن عمر لا يزيد عن سبع وأربعين سنة، وكان طويل القامة، وضع في قبر صغير فلم يتسع القبر له، فضغطوه ضغطاً حتى جاء رأسه ملتويًا مع رقبته، والبيت الذي كان يسكنه يزيد ثمنه عن عشرات الملايين، وهكذا حكمة الله عز وجل، أن ينزل في قبر يضيق عنه طولاً، فالإنسان حينما يتيقن من زوال الدنيا يلتفت إلى الآخرة، فإذا طمع فيها فقد أهلكته وهلك.
من أقوال السلف الصالح: "إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي، أن أحرمه لذيذ مناجاتي "، وأحد العلماء الكبار توفي، فشاهده بعض تلامذته في المنام، فقال له: يا سيدي ما فعل الله بك ؟ يبدو أن هذا العالم له شأن كبير، ومؤلفات خطيرة، وكتب، وآراء، وإنتاج علمي، وسمعة، وصيت، وهو نجم متألق، فقال له يا بني: طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل.
فليحذر المرءُ أنْ يصيبه غرور ويقع في غشاشة نفسه، إذا كان لك صلة بالله حقيقية مبنية على استقامة تامة، وعلى عمل صالح فهنيئاً لك، وما سوى ذلك فقد يملأ الإنسان الآفاق بسمعته، وعند الله لا يساوي جناح بعوضة، طاحت وذهبت تلك الإشارات، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل، قِفْ في الصلاة، وانظُرْ إلى قلبك، هل لك صلة بالله عز وجل، أَلك التفاف نحوه، وهل تدمع هذه العين لآية تقرؤها، هل لك عمل خالص لوجه الله لا تبتغي به أحداً إلا رضاء الله عز وجل، إن كنت تخشى على نفسك بعض الشرك الخفي فاكتم عملك، إذا استيقظت قبل صلاة الفجر، وصليت قيام الليل، ولم تحدث بهذه الصلاة أحداً، هذا مما يؤكد لك بأنك مخلص، فإن فعلت عملاً ولم تحدث به أحداً، فهذا مما يؤكد لك بأنك مخلص، فالإخلاص له طريق، عبادة في جوف الليل والناس نيام، وعمل صالح لا يبغي به أحدًا من الناس، وهذا يؤكد إخلاصك لله عز وجل، وكلما تعاظم شعورك بإخلاصك كلما ازداد إقبالك على الله عز وجل، وما أقبل عبدٌ بقلبه على الله عز وجل إلا جعل قلوبَ المؤمنين تنساق إليه بالمودة والرحمة، وكان اللهُ له بكل خير أسرع.
فالإنسان خلاصتُه علاقتُه مع الله عز وجل، وَحِّدْ، وإياك أن تشرك، فإنَّ الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل، فإذا نصحك شخصٌ نصيحة، وهو محق فيها فقلتَ له: أنت مخطئ، وغضبت، فقد أشركتَ نفسك مع الله، أو أنّ شخصًا له انحراف وأحببته على انحرافه، فهذا شرك، فإذا أحببت إنساناً مع انحراف فهذا أحد أنواع الشرك الخفي.
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ:
((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، قَالَ: قُلْنَا بَلَى، فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ ))
( أخرجه ابن ماجه )
وعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ بَكَى فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ قَالَ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُهُ فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((أَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ قَالَ نَعَمْ أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنْ يُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَةٌ مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ ))
(رواه أحمد)
فهذه انتهى وقتها، هذه لن تعود إلى قيام الساعة، ولكن شهوة خفية، وأعمال لغير الله، فإذا الإنسان آتاه اللهُ عز وجل رقابة صارمة على نفسه، فقد يلاحظ أحيانًا أنّ له أعمالاً يبتغي فيها غير وجه الله، بل يريد وجه الناس، ويُلاحِظ أنّهم لم يشيروا إلى عمله الصالح فينزعج فمثَلُه كمثلِ طبيبٍ عمِل عمليةً جراحيةً، وبذلَ فيها وقتًا كبيرًا، وضحّى، وما تقاضى شيئًا، فإذا لم يُكتب عنه في الصحيفة تألَّم، يقول: يكتبون ولو كلمة عني، وعن مهارتي في العملية، فحينما يراقب الإنسان نفسه مراقبة صارمة يجد نفسَه أنّ له أعمالاً كثيرة ظاهرُها حسن، وتنطوي على شرك بالله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يقول: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، لذلك:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾
( سورة يوسف: 106 )
قد تقيم وليمة لا تبتغي بها وجه الله، هناك أدعية كنت أقولها لكم دائماً: اللهم إنا نعوذ بك أن نقول قولاً في رضاك نلتمس أحداً سواك، اللهم إنا نعوذ بك أن نتزين للناس بشيء يشيننا عندك، اللهم إنا نعوذ بك أن يكون أحد أنفع بما علمتنا منا، اللهم إنا نعوذ بك أن نكون عبرة لأحد من خلقك، فلا نكون نحن قصة، يتعلمُ الناس فينا، إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي، أنْ أحرمه لذيذ مناجاتي.
وتروي كتب الأثر أن مؤمنًا ارتكب مخالفة فخجلت نفسه وأحجمت، وعاش في جفوة طويلة، وهو ينتظر أن يعاقبه الله عز وجل.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ))
( أخرجه البخاري )
وبعدُ فكلُّ واحد منا، حسب ما سمعتم أنه ما من عثرة، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله عنه أكثر، صار عنده قناعة أنّ كل شيء يصيبه بسبب تقصير، أو ذنب، أو مخالفة فهذا وقع في مخالفة فانتظر الجواب، كطالب اقترف ذنبًا ومرَّ بالأستاذ في مكان ضيق فإنّه يحاول أنْ يتوارى، كمَن يتوقع أنه سيأكل صفعةً على قفاه، وأحسَّ لها فتجمع، فهذا المؤمن ارتكب مخالفة وينتظر من الله العقوبة فلم يحصل معه شيء، مرَّ يومٌ، وثانٍ، وثالث، ولم يحصل له شيء، وما أحد حاسبه أو أساء له، ولا أحد أهانه، وما فقد شيئًا، تعجب وهو ينتظر العقوبة من الله عز وجل، ويظهر أنه في ساعة صفاء قام وناجى ربَّه، قال يا ربي لقد عصيتك ولم تعاقبني، فقال عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي، ألا تكفيك هذه، تريد أخطر، يكفيك هذا، فهذه الجفوة لأسبوعين أو ثلاثة، وصلاةٌ شكلية، وعباداتٌ شكلية، وقد شعر بضيق، وانقباض نفسٍ، وضاقت عليه الأرض على رحبها، إنّها عقوبة صارمة.
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)﴾
( سورة التوبة: 118 )
هذا حال يكفي، حال الجفاء صعب، لذلك بعض قال الشعراء:
فما حبنا سهل و كل من ادَّعـى سهولته قلنا له قـــد جــهلتنا
فأيسر ما في الحب بالصب قتله وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا
وقال أحدهم: لو قال فيهن قف على جمر الغضا، وهو أشد أنواع الجمر، لو قال محبوبه:
قف على جمر الغضــــــا لوقفت ممتثلاً و لم أتوقـــف
أو كان من يرضى بخدي موطئاً لوضعته أرضاً ولم أستنكــف
وقال آخر:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا
والله إن فتتوا في حبهم كـبدي باق على حبهم راضٍ بما فـعلوا
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا
والله إن فتتوا في حبهم كـبدي باق على حبهم راضٍ بما فـعلوا
لا تنظر إلى نفسك حالَ الرخاء، ففي الرخاء كلنا نحب الله عز وجل، والبطولة إذَا لاح شبحُ مصيبة، أو ضائقة، أو مشكلة، أو أصاب شيءٌ الجسد، أو أصاب الدخل، أو الأسرة، أو نقص في الثمرات، في الطعام، في مِثل هذه الظروف إذا قلت: الحمد لله رب العالمين، فأنت مؤمن وربِّ الكعبة، لأنّ الإمام علي كرم الله وجهه قال:
((الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين "، فالبطولة أن تحب الله وأنت في وضع صعب النبي الكريم علمنا، فَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))
[ أخرجه مسلم ]
أما محبُّ الدنيا فيتكبر في الرخاء، ويصرخ في الشدة، فذو دعاء عريض، في الرخاء ﴿ يشعر أنّ الأرض لا تسعه، فالمتكبر أحمق، وجاهل، وفي الشدة تجده يئوسًا، قنوطًا.
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً (84)﴾
( سورة الإسراء: 83 ـ 84 )
يا ذا العزة والجبروت، يا ذا الملك والملكوت، يا من حفظت موسى بالتابوت، صندوق في النهر، ونجيت يونسَ من بطن الحوت، وحفظت الحبيب محمد بنسيج العنكبوت، والله كلمة لو أقرؤها مائة مرة لا أشبع منها، يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، فإذا كنت معه مستقيمًا، وإذا كان قلبك عامرًا بذكر الله، فينبغي ألاّ تخاف مِن أيِّ جهة في الأرض، ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12)﴾
( سورة المائدة، 12 )
هذه المعية ليست مطلقة، بل مشروطة إني معكم كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي بما أريد، ولا تقل بما يصلحك، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد، كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد، أتعبتُك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد، فإذا كان الإنسان يتعامل مع هذه المعاني، يجد علاقته كلها مع الله عز وجل، ففي الأرض مليون جهة، تريد أنْ ترضي زوجتك فتغضب أمُّك، أو بالعكس ؛ ترضي الوالدة فتغضب الزوجة، ترضي هذا الابن فيسخط الثاني، وإذا زرت هذه البنت سخِطتْ الثانية، إنْ أرضيتَ في الوظيفة مَن هُم أعلى منك أسخطتَ الله عز وجل، إنْ بَعتَ بسعر معقول فلا تربح، وإنْ أردتَ أنْ تربح أغضبتَ الله عز وجل، ففي الحياة أشياء متعاكسة تماما، وأشدُّ شيءٍ راحةً وأسهله أنْ ترضي الله وحده، فاعمل لوجه واحد يكفِك الوجوه كلها، وفي قول آخر: من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله الهموم كلها، وفي قول ثالث: ومن أصبح وآخر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، وأوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمك فاخدميه، ومن خذلك فلا تخذليه، إنّ أدنى ما أصنع بالعالِم إذا آثر شهوته على محبتي أنْ أحرمه لذيذ مناجاتي، يا داود لا تسأل عني عالمًا قد أسكرته الدنيا فيصدك عن طريق محبتي، يقول مثلاً: ماذا جدَّ معك ؟ أَشتريتَ بيتًا ؟ أم تزوجتَ ؟ وكم دخلك ؟ وما فعلت ؟ أذهبت إلى المحل الفلاني ؟ هل سافرت ؟ أو خرجتَ إلى نزهة ؟ يدعوك إلى الدنيا، فيصدك عن طريق محبتي، أولئك قطاع الطريق على عبادي، فإذا قابلتَ محبًّا للدنيا فهذا من قُطَّاع الطريق على عبادي، يا داود إذا رأيت لي طالباً فكن له خادماً، لأنك تسعد بها، يا داود من رد إليَّ هارباً أكسبته جهبذا، شخص شارد ضائع، يعصي الله ثم جئتَ فأكرمته، وأقنعته، ودللته وخدمته، وجئت به إلى الدرس، وتحمَّلته وأعنتَه، وذاكرت معه الدرس حتى صارَ مستقيمًا، استقامة تامة، بهذا فقد آويتَ لله هاربًا، فما قولك إذا كان عند شخصٍ ابنٌ غالٍ، وضاع هذا الابن، فوجده شخص يعرف أباه، فأكرمه وأطعمه، وألبسه، وردّه إلى أبيه، فسيقول له الأب: أنت فعلتَ معي معروفًا لا أنساه حتى الموت، وكثيرًا ما كنت أضرب مثالاً ؛ لو فرضنا ضابطًا في الجيش، برتبة عالية، لواء مثلاً، وعنده مجنَّد، وهذا المجند رأى ابن هذا الضابط الكبير يغرق في النهر، فألقى بنفسه في النهر، وكان على وشك الموت فأنقذه، وأكرمه، وردَّه إلى أبيه، ألا يستطيع هذا المجند أن يتجاوز التسلسل، ويدخل على هذا الضابط الكبير في كل لحظة يشاؤها، هذه هي الخلاصة كلها.
﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)﴾
( سورة الكهف: 110 )
إذا أردتَ مثلاً أنْ تدخل إلى أنْ تدخل إلى موظَّف ؛ مدير تربية، مدير معمل، إلخ … فلا بد من انتظار، ومع الانتظار أسئلة، ما اسمك، وما الموضوع، تعالَ غدًا، فالمقابلة ليست سهلة، أمّا ربنا عز وجل فيقول:
(( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ))
اعمل بهذه الوصفة، فباب الله مفتوح على مصراعيه، والدخول بثمن، وثمنه العمل الصالح، وأبواب الأعمال الصالحة: إنكم لن تسعوا الناس بأعمالكم، العمل يحتاج مالاً، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم، الكلمة الطيبة عمل صالح، وأن تتبسم في وجه أخيك، وأن تلقاه بوجه طيب عملٌ، أو أنْ تردَّ الضال إلى أرضه عمل صالح، وأن ترشد الغريب عمل صالح، وأن تميط الأذى عن الطريق عمل صالح، وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي عمل صالح، وأن تعود مريضاً عمل صالح، وأن تأمر بالمعروف، وأن تنهى عن المنكر، وأن تعلم الناس آية من كتاب الله، فأبواب الأعمال الصالح مفتوحة على مصاريعها، وهي ثمن اللقاء مع الله عز وجل.
قال: فلان ذو قلب ميّت ؛ يعني أنّ موت القلب طلبُ الدنيا بعمل الآخرة، وقال يحيى بن معاذ: ((إنما يذهب بهاءُ العلم والحكمة إذا طلب بهما الدنيا )) العلم والحكمة لهما بهاء، وهذا البهاء يذهب إذا طلب بهما الدنيا، وقال عمر رَضِي اللَّه عَنْه:
((إذا رأيتم العالم محباً للدنيا فاتهموه على دينكم، فإن كل محب يخوض فيما أحب ))
وقال رجل إلى أخ له: "إنك قد أوتيت علماً، فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم "، ويحيى بن معاذ الرازي رحمه الله يقول لعلماء الدنيا:
((يا أصحاب العلم، قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم ظاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآثمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين الشريعة المحمدية ؟ ))
قيل لبعض العارفين:"أترى أنّ من تكون المعاصي قرة عينه لا يعرف الله عز وجل"؟ إطلاقاً، قد يجلس في سهرة وفيها معصية، فيها سرور بزعمه، وفيها اختلاط، يخوض في بحر الغيبة والنميمة، والغمز واللمز، ثم قام مرتاحًا، ونام بكل راحة، واستيقظ صباحًا مسرورا، وقال: واللهِ البارحة سهرنا سهرة لا أنساها، فما دام مرتاح النفس بالمعصية، فهو لا يعرف الله تعالى أبداً، هذا لو كان يعرف الله قليلاً لنام متألمًا على هذه المعصية، لكنّه ما دام لا يتألم فليس به إحساس كالمؤمنين.
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
( سورة الأنعام: 44 )
الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، فقال هذا العارف بالله: لا أشك أن من تكون الدنيا عنده آثر من الآخرة فإنه لا يعرف الله تعالى، وقال بعضهم:
((لا تظنن أن ترك المال يكفي في اللحوق بعلماء الآخرة فإن الجاه أضر من المال ))
ففي الحياة شهوات غير المال، الوجاهات شهوات أيضًا يحرص الناس عليها، وعندما تموت من قلبِ الإنسان كلُّ الشهوات المنحرفة، وكل أنواع الشرك، عندئذٍ يتقبَّله الله عز وجل.
كان بِشرٌ يقول:
((أنا أشتهي أن أحدِّث، لذلك لا أحدِّث أحداً، ولو ذهبت عني شهوةُ الحديث لحدَّثتُ))
هذا هو الإخلاص، وما دمتُ أشتهي أن أحدِّث فلن أحدث أبداً، فإذا ذهبت عني شهوةُ الحديث حدَّثتُ، وقال هو وغيره:
((إذا اشتهيت أن تحدث فاسكت، فإذا لم تشتهِ فحدِّثْ))
قال سهل رحمه الله:
((العلم كله دنيا، والآخرة منه العمل به ))
العلم دنيا، هذا معه مال، هذا أثاث بيته فخم، وهذا متعلِّم علمًا، يتيه به على الناس كالطاووس، فالعلم كله دنيا، والآخرة منه العمل به، والعمل كله هباء، إلا الإخلاص.
وقال بعضهم:
((الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء سكارى بعلمهم، إلا العاملين، والعاملين كلهم مغرورن إلا المخلصين والمخلص على وجل حتى يدري ماذا يختم له به))
يقول النبي عليه الصلاة والسلام: ولا أدري ما يفعل بي، يعني هو صلى الله عليه و سلم في وجل، وكل إنسان لا يخاف، ولا يكون قلقاً، بل هو مطمئن بالدنيا، فهذا في غفلة و ضياع، فالله سبحانه وتعالى لا يجمع على عبده أَمْنَيْنِ وخَوفَيْنِ، فإنْ أمنه في الدنيا خافه يوم القيامة، وإن خافه في الدنيا أمنه يوم القيامة، ومن علامات الإنسان المخلص، أنه قلق، يخاف ألاّ يكون مخلصاً، ويخاف ألا يكون موحِّداً، يخاف أن يكون عمله مشوباً بنية لا ترضي الله، وما دام في قلق، بخ بخ فذلك محض الإيمان، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي رِيحَهَا))
[ أخرجه أبي داود ]
لي قريب توفي منذ زمنٍ، فذهبنا لإجراء المعاملة، آلمني كثيرًا أنّ على أبوابِ مكتبِ دفنِ الموتى قراء كثيرون، وكلهم يرجو ويتوسل أنْ تكلِّفه بقراءة القرآن في المساء، ويقول لك: لباس موحد، وأصوات عذبة، يحاول أنْ يغريك، سبحان الله، كتاب الله ينزل إلى هذا المستوى عند هؤلاء، فَلْيَبْحَثْ الإنساُن عن أيِّ عملٍ آخر، فهذا كتاب الله، إنه شيء مقدس، وإنْ كان العلماء أجازوا أن يأخذ الإنسان أجراً على كتاب الله، لأنه كالمعلِّم قد تفرَّغ للتعليم، وهو يعلم الأطفال كتابَ الله، فمِن أين يأكل إنْ لم يتقاضَ أجرًا ؟ لذلك أجاز العلماء له أخذ الأجرة على ذلك، لكن أن يرجوَ أحدُهم، ويلحّ، ويطالب، ويتحدث عن ميزاته، ويحسد أخاه الذي كانت هذه المسائية من حصته ونصيبه، ويتهمه بأشياء كثيرة، هذا شيء مؤلم، فكتاب الله ينبغي أن يكون في الأوج.
وهذا خبر آخر: إن العبد ليُنشَر له من الثناء ما يملأ ما بين المشرق والمغرب، وهو لا يزن عند الله جناح بعوضة، فهذه الأحاديث والأقوال يجب أن تُؤخذ مأخذ الجَدِّ، فعلى الإنسان أنْ يراقب نفسه، ويراقب قلبه، ويتوخى الإخلاص، أخلص دينك يكفِك القليلُ من العمل، درهم أُنفِق في إخلاص خيرٌ من مائة ألف درهم أُنفِق في رياء، هذه الصفة الأولى ؛ أنْ يقصد بعلمه اللهَ والدارَ الآخرة، وألاَّ يقصد العالِمُ الحقُّ بعلمه الدنيا.
الصفة الثانية: ومنها ألاّ يخالف فعلُه قولَه، بل لا يأمر بالشيء ما لم يكن هو أولَ عاملٍ به، قال تعالى:
﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44)﴾
( سورة البقرة: 44 ).
﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾
( سورة الصف: 3 ).
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾
( سورة هود: 88 )
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)﴾
( سورة البقرة: 282 )
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233)﴾
( سورة البقرة: 233 )
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
( سورة المائدة: 108 )
وفي بعض الأقوال:
((يا ابن مريم عظ نفسك فإن اتعظت فعظ الناس وإلا فاستحيِ مني"، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قَالَ: قُلْتُ مَنْ هَؤُلاءِ، قَالُوا: خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا يَعْقِلُونَ))
[ أخرجه أحمد ].
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( هلاك أمتي عالِم فاجر، وعابد جاهل، وشر الشرار شرار العلماء، وخير الخيار خيار العلماء))
يعني أنّ العلماء الورعين في القمة، والعلماء غير العاميلن بعلمهم في الحضيض، ليس ثمَّةَ حلٌّ وسطٌ، إما في القمة، أو في الحضيض، وقد قال الإمام الأوزاعي رحمه الله: شكت النواويس - بعض أنواع الطيور - ما تجد من نتَن جِيَفِ الكفار، فأوحى الله إليها، أنّ بطون علماء السوء أَنْتَنُ من هؤلاء، ويُروَى أن حجرًا ضجَّ إلى السماء، وقال: يا رب عبَدتُك خمسين عاماً، تضعني في مرحاض، فقال له: تأدَّبْ، إِذْ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم، فَلأَنْ يكون الحجرُ في مرحاض أشرفَ له ألف مرة من أن يكون في مجلس قاضٍ ظالمٍ.
يقول أبو الدرداء رَضِي اللَّه عَنْه:
((ويلٌ لِمَنْ لا يعلم مرة، وويلٌ لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات))
لمن لا يعلم مرة، لمن يعلم ولا يعمل سبع مرات، وقال الشعبي: يَطَّلع يومَ القيامة قومٌ مِن أهل الجنة على قوم من أهل النار، فيقولون لهم: ما أدخلكم النار ؟ ونحن إنما أدخلنا اللهُ الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم إيانا، نحن بالجنة قاعدين، والفضل لكم، أنتم علمتمونا، أنتم وجهتمونا، أنتم هذّبتمونا، وأمرتمونا بالصلاة فصلينا، وأمرتمونا بغض البصر فغضضنا بصرنا، نحن الآن في الجنة، لماذا أنتم في النار ؟ فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله، وننهى عن الشر ونفعله، صار عملهم وظيفة، ولقد بلغني عن بعض المطوّعين أنّهم يضربون الناسَ لتخلُّفهم عن الصلاة، وهم لا يصلون، وأبعدُ الناس عن الموعظة مَن يعمل في تجهيز الأموات، فقد يسرق شرشفًا أو أيَّ غرض فيأخذه خلسةً، ألاً يعتبِر وهو يدفن في اليوم أكثرَ مِن ميت، فأين العبرة و العظة من نفسه ؟!.
وقال حاتم الأصم رحمه الله:
(( ليس في القيامة أشد حسرة من رجل علَّم الناسَ علماً فعمِلوا به، ولم يعمل هو به، ففازوا بسببه وهلك هو ))
وقال مالك بن دينار:
((إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلت موعظته عن القلوب، كما يزل القطر عن الصفا))
القطر حجر أملس جاءه القطر جل عنه، كذلك الموعظة من إنسانٍ غيرِ عاملٍ بموعظته، فلا تؤثر في القلوب.
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله:
(( مررت بحجر بمكة مكتوب عليه، اقلبني تعتبر، قال فقلبته، فإذا عليه مكتوب أنت بما تعلم لا تعمل، فكيف تطلب علم ما لم تعلم ))
وقال ابن السماك رحمه الله:
((كم من مذكِّر بالله ناسٍ لله ؛ وكم مخيفٍ بالله جريء على الله، وكم من مقرب لله بعيد منه، وكم من داع إلى الله فارّ من الله، وكم من تال لكتاب الله منسلخ عن آيات الله ))
وقال إبراهيم بن أدهم رحمه الله:
((لقد أعربنا في كلامنا فلم نلحن، ولحنا في أعمالنا فلم نعرب))
وقال الأوزاعي:
(( إذا جاء الإعراب ذهب الخشوع))
الآن نتكلم بشيء في قواعد اللغة و إعرابها، يذهب الخشوع كله، أحيانًا تجد الإنسان ينهمك في معلومات ظاهرية ويدقق بها، ويحفظها، ويعلمها، وليس مِن خشوع في قلب صاحبه، لذلك أكثرُ المجالس بركةً المجلسُ الذي فيه خشوعٌ للقلب، وهذه نصيحة لوجه الله، فإذا كنتَ في مجلس ؛ سهرة مثلاً، وتتكلم عن الله عز وجل فلا تختم الجلسة بالدنيا، فكل هذه البركة تذهب، اجعلْ آخرَ المجلس ذكرًا، ولينفضّ المجلسُ على طعم طيب، وعلى سرور، واستبشار، وتفاؤل.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ لَهُمْ حَسْرَةً ))
[ أخرجه أبي داود ]
وبعد ؛ فجرِّبْ أيَّ موضوع آخر مؤلِم مقنِّط، يدعو إلى اليأس والقنوط، والألم، والضيق، والحسد، والتنافر، ثم اذكر آية أو حديثًا، أو قولاً فيه عِظة، تجد نفسك قد انتعشت.
سيدنا عمر رَضِي اللَّه عَنْه قيل له في مجلس من مجالسه: واللِه يا أمير المؤمنين ما رأينا رجلاً بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضلَ منك، وسيدنا عمر تعلمون ما ورد عن رسولِ الله فيه: (( لو كان نبيا بعدي لكان عمر))، لكنّ سيدنا عمر تفرَّس في الحاضرين كلهم، واستعرضهم واحدًا واحدًا، ينتظر منهم أيسكتون أم يتكلمون، وفي أثناء استعراضه لوجوههم تكلم أحدهم، وقال: لا واللهِ يا أمير المؤمنين، لقد رأينا من هو خير منك، فقال له ومن هو ؟ قال: أبو بكر الصديق، فقال سيدنا عمر للحاضرين: لقد كذبتم جميعاً وصدق هذا، علّمهم قولَ الحق، ثم قال: والله إن لأبي بكر ريحاً أطيب من ريح المسك، وكنت أنا أضل من بعيري، حين كان لأبي بكر ريح أطيب من ريح المسك كنت أنا أضَّل من بعيري، لقد كذبتم كلُّكم وصدق هذا، لو أنهم سكتوا جميعاً لأغلظ لهم القول، فسيَرُ الصحابة، سبحان الله، تنعش القلوب، وتعطِّر المجالس، إنّه نموذج فَذٌّ من الكمال الإنساني، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:
((علماء حكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء))
روى مكحول عن عبد الرحمن أنه قال: حدثني عشرة من أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالوا: كنا ندرس العلم في مسجد قباء، إذْ خرج علينا رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال:
((تعلَّموا ما شئتم أنْ تعلموا، فلن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم ))
تعلّم فالأجر لن يكون حتى تعمل بما علمت.
وقال عمر رَضِي اللَّه عَنْه:
(( إذا زل العالم زل بزلته عالم من الخلق "، وقال أيضاً: "ثلاث بهن ينهدم الزمان ؛ إحداهن زلة العالم))
وقال ابن مسعود رَضِي اللَّه عَنْه:
((أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذتم قراءته عملا ))
وَرَدَنِي سؤالٌ يومَ الجمعة تسأل فيه أختٌ مؤمنة ؛ إذا سَبَّ الإنسانُ الدينَ فما حكمه في الإسلام ؟ طبعاً إذا سبَّ الدين ولم يتُب فهذا ارتداد، وحول هذا الموضوع بحث لطيف، بوُدِّي في درس آخر أن أقر لكم بعض ما فيه، كأنْ يرميَ الإنسانُ المصحفَ على الأرض فكأنما سبَّ الدين، وارتدّ عن دينه، ولدينا حوالي ثلاثين إلى أربعين حالاً ولفظًا إذا قالها الإنسان أو فعلها فقد كفر،وسببُ سؤال الأختِ أنها سمعت مني سابقاً أنه إذا سبَّ الإنسانُ الدينَ تطلَّق منه زوجته، وعليه أن يجدِّد إسلامه، وهذا صحيح، إلا إذا كان هذا السب في ساعة غضب، وتاب فوراً، فهذا الحكم عندئذٍ لا يطبق عليه، أما إذا سبَّ الدين، وبقيَ مصرًّا، فإنّه قطعاً تطلّق منه زوجته، وكأن الإنسان بهذه الشتيمة قد رسب في الامتحان كله، وعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن يجدِّدَ إسلامه، قال بعض العلماء: القاضي يمهل هذا الذي يسب الدين ثلاثة أيام، فإن تاب ورجع إلى الله عز وجل فبها و نعمت، وإلا فهناك سلسلة إجراءات، منها أنه يفقد أملاكه، وتنزع منه، لأنّه أصبح كافرًا مرتدًّا، إنّ الإنسان قد يغضب، ولكن عليه ألاّ يتجاوزَ الحدود مهما اشتدَّ غضبُه، فهذه مقدسات، والله عز وجل له عقوبات أليمة، كان رجلٌ يصلي، فقال له شخص آخر: لِمَ تصلي ؟ فهذه اعتقاداتٌ قديمة، نحن الآن في زمن التقدُّم والعلم، وإذا كان الله موجودًا فليثبتْ وجودَه، وأنا سأمهلك ثلاثة أيام، فهذا الشخص لم يعرف سبيل الإجابة، لكنّ الشخص الذي تحدّى لم يمضِ يوم أو يومان حتّى فَقَدَ بصرَه كلَّه، فالله عز وجل أعطى المهلة للثاني، وكان من الممكن أنْ يموت، لكن اللهَ أعطاه مهلة أوسع، فبكلمة كبيرة قد يفقد الإنسانُ إسلامه كلّه، وإيمانه كله، لذلك جوابًا عن السؤال أقول: إنه من سبّ الدين ولم يتُب، ففي الشرع إجراءات تلاحقه، لكن إذا استرجعَ رأساً وتاب إلى الله عز وجل، واغتسل وتشهد مرة ثانية، وكفَّرَ عن هذه الكلمة بصدقة كبيرة، وتاب توبة نصوحًا، فالحكمُ بطلاق زوجته لا ينسحب عليه، والله أعلم.
والحمد لله رب العالمين

الغسل : فرائضه، سننه ،ندبه

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا وزدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام ؛ انتهينا من الوضوء وها نحن ننتقل إلى الغسل ، ففي الاغتسال يُفرض فيه أحدَ عشرَ شيئاً ، أولاً غسل الفرج والأنف والبدن مرةً واحدة ، وداخل المضفور من الشعر ، لا المضفور من شعر المرأة لحديث أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ :
((قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ ، قَالَ : لا إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِينَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلاثَ حَثَيَاتٍ مِنْ مَاءٍ ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ ))
أما الرجل فيجب أن يصل الماء إلى أصل شعره بخلاف المرأة ، وعلى الرجل في الغسل أن يسري الماء إلى بشرة اللحية ، وبشرة الشارب والحاجب ، هذا مما يفترض من الغسل.
ويسن في الاغتسال اثنا عشر شيئاً ، الابتداء بالتسمية ، والنية ، وغسل اليدين إلى الرسغين ، وغسل نجاسةٍ إن وجدت ، وغسل الفرج ، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ، ويمسح الرأس، ولكنه يؤخر غسل الرجلين إن كان يقف في محل يجتمع فيه الماء ، ثم يفيض الماء على بدنه ثلاثاً ، ولو انغمس في الماء الجاري أو مكث فقد أكمل السنة ، ويبتدئ برأسه في صب الماء، ويغسل بعدها منكبه الأيمن ، ثم الأيسر ، ويدلك جسده .
وآداب الاغتسال هي آداب الوضوء ، إلا أن المغتسل لا يستقبل القبلة ، لأنه يكون غالباً مكشوف العورة ، وكره فيه ما كره بالوضوء ، و يفرض الاغتسال من الجنابة ، ويسن بأربعة مواضع ، لصلاة الجمعة ولصلاة العيدين ، وللإحرام ، وللحاج في عرفة بعد الزوال .
ويندب الاغتسال في ستة عشر شيئاً ، لمن أسلم ، ولمن بلغ بالسن ، من بلغ سن البلوغ فعليه أن يغتسل ، ولمن أفاق من جنون ، وعند حجامة ، وغسل ميتٍ ، وليلة براءة ، أي ليلة النصف من شعبان ، وليلة القدر ، ولدخول مدينة النبي عليه الصلاة والسلام ، وللوقوف بمزدلفة غداة يوم النحر ، وعند دخول مكة لطواف الزيارة ، ولصلاة استسقاءٍ ، هذه الأشياء يندب فيها الغسل وفي أربعة مواضع يسن ، ويفترض في الجنابة .
* * *
وننتقل إلى فصل من كتاب إحياء علوم الدين ، ولازلنا في باب العلم :
الصفة الثالثة للعالم ؛ أن تكون عنايته بتحصيل العلم النافع في الآخرة المرغب في الطاعات ، مجتنباً العلوم التي يقل نفعها ويكثر فيها الجدل والقيل والقال .
(( كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَكَتَبَ إِلَيْهِ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ ))
روي أن رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام : فقال يا رسول الله علمني من غرائب العلم ـ الأشياء اللطيفة التي إذا حدثتُ بها الناس تأثروا ونلت إعجابهم ، بهذا المعنى ـ فقال عليه الصلاة والسلام : ما صنعت في رأس العلم ، فقال هذا الرجل : وما رأس العلم ، فقال عليه الصلاة والسلام : هل عرفت الرب تعالى ، قال : نعم ، قال : فماذا صنعت في حقه ، قال : ما شاء الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : هل عرفت الموت ؟ قال : نعم ، قال : فماذا أعددت له ـ إذًا فقبْل هذه الأشياء التي تريدها لتنتزع إعجاب الناس أنْ يعرف المسلم الرب ، وأنْ يعرف ماذا صنع في حقه ، أعود لأكرِّر : فقال عليه الصلاة والسلام : هل عرفت الرب تعالى ، قال : نعم، قال : فماذا صنعت في حقه ، قال : ما شاء الله ، فقال عليه الصلاة والسلام وقد علم أن كلمة ما شاء الله تعني أنه لم يحصل هذه المعرفة ، فقال : اذهب فأَحكم ما هناك ، ثم تعال لتتعلم من غرائب العلم .
هناك أشياء أساسية في حياتنا ، وأشياء ثانوية ، هناك مهم وهناك أهم ، وردت قصة في الإحياء لكنها جاءت مختصرة وسأرويها لكم بشكلها المختصر .
حاتم الأصم كان من أصحاب شقيق البلخي ، وهو عارف بالله ، رحمة الله عليه فسأله يوماً: يا حاتم لقد صاحبتني ثلاثين سنة فما حصلت فيها ؟ وهذه لها معنى ، يقول أحدهم : أنا مستمر على حضور الدروس سبع سنوات ، أو خمس سنوات ، أو أربع سنوات ، أو سنة ، أو ستة أشهر، فماذا حصلت في هذه الفترة هذا سؤال مهم ؟ فقال : حصلت ثماني فوائد من العلم ، وهي تكفيني لأني أرجو بها خلاصي ، فقال شقيق : وما هي ، فقال : أما الأولى فإني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوبًا يحبه ، فهذا غارق في التجارة ، وهذا في الملذات المحرمة ، وهذا بالنساء ، وهذا بجمع الدرهم والدينار ، وهذا غارق ببعض المتع ، وهذا غارق بجمع اللوحات النادرة ، هذا يحب السياحة .
وبالمناسبة لي قريب أحبَّ في آخر حياته أن يحوز جميعَ أنواع السجاد النادر ، فجمع ما لا يحتاج إليه ولا إلى عُشره ، ولي قريب آخر أحب في آخر حياته القطع من الصيني أيضاً ، فجمع منها ما يزيد عن مئات الألوف ، فهذا شقيق البلخي يقول : إني نظرت إلى الخلق فرأيت لكل منهم محبوباً يحبه ويعتقده ، وبعض أولئك المحبوبين يصاحبه إلى الموت ، يعني إذا رجل يحب أن يقتني سيارة فخمة ، فإذا أصابه مرض عضال وأصبح على مرض الموت فهذه السيارة انتهى بقاؤها ، فإما أن تباع أو أنْ يأخذها أحد الورثة ، فرأيت لكل منهم محبوباً يحبه ويعتقده ، وبعض أولئك المحبوبين يصاحبه إلى الموت ، والبعض الآخر إلى شفير القبر ، ثم يتركه المودِّعون وحيداً ، ولا يسكن معه في قبره منهم أحدٌ .
الأهل من النساء يودعونه في البيت ويخرجون إلى الشُرف أحياناً ، أمّا الأولاد الذكور فإلى شفير القبر .
فتفكرت وقلت : أفضل محبوبٍ للمرءِ ما يدخل معه إلى قبره ويؤنسه فيه ، فما وجدته في غير الأعمال الصالحة ، فاتخذتها محبوباً لي ، لتكون سراجاً في قبري تؤنسني فيه ولا تتركني فريداً ، قال تعالى :
﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾
( سورة العصر )
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)﴾
( سورة الفجر )
﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100)﴾
( سورة المؤمنون )
قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ، لماذا يرجع ؟ ليعمر بناء ، أو يأخذ شهادة دراسية .
فقال له : هات الثانية ، فقال : إني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم ، ويبادرون إلى مراد أنفسهم فتأملت في قوله تعالى :
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
( سورة النازعات )
وبعد ؛ فالأشخاص العاديون في زماننا هذا إذا دعي أحدُهم إلى سهرة مختلطة يقول لك : نذهب ونتسلى ، وليس عندنا شيء يشغلنا ، وإذا دعي إلى رحلة فيها اختلاط ، وفيها أشياء يحرمها الله ، يقول لك : هذه مناسبة لأرى البلاد الأخرى ، وفرصة لا تعوض للاستجمام ، أو يقول : هذه الرحلة فيها شواطئ جميلة ، هل من المعقول أن أتركها ؟ من الذي يقوده ؟ هوى نفسه .
إني رأيت الخلق يقتدون بأهوائهم ، ويبادرون إلى مراد أنفسهم ، فتأملت في قوله تعالى :
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾
( سورة النازعات )
فتيقنت أن القرآن حق ثابت ، فبادرت إلى قياد نفسي ، وتشمرت في مجاهدتها ، وما متعتها بهواها ، هل يستطيع المؤمن الصادق أن يرتاح بالنوم إلى أقصى الحدود ؟ لا ، لن يستطيع ، فاسمع قوله تعالى :
﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)﴾
( سورة السجدة )
لا يستطيع عنده صلاة الفجر ، ولا سيما في أيام الشتاء ، وهل يستطيع أن يرتاد مجلسًا ويتكلم في الغيبة عن الناس ؟ لا يستطيع ، وإذا كان جالساً على شرفة أو في الطريق فهل يستطيع إذا مرت امرأة أن يمتع نظره فيها ؟ لا يستطيع .
فتيقنت أن القرآن حق ثابت ، فبادرت إلى قياد نفسي ، وتشمرت في مجاهدتها ، وما متعتها بهواها حتى رضيت بطاعة الله سبحانه وتعالى وانقادت ، فهذه هي الفائدة .
فقال له : هات الثالثة ، قال : يا سيدي إني رأيت كل واحد من الناس يسعى في جمع حطام الدنيا، ثملا ينفقه ، قابضاً بيديه عليه ، فتأملت قوله تعالى :
﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96)﴾
( سورة النحل )
فلذتُ بالإيثار ، واستودعتُ عند الله إعانة البائس وإسعاف الفقير ، لعلي أحشر في ظل صدقتي يوم يقوم الناس لرب العالمين ، ليس كل مصلٍّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكفّ شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيتي وأطعم الجائع وكسا العريان ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، نحتاج إلى عمل صالح .
قال له : هات الفائدة الرابعة ، قال : فإني رأيت بعض الخلق أنّ ظن عزه في كثرة الأقوام والعشائر ، فاعتز بهم ، وزعم آخرون أنه في حيازة الأموال وكثرة الأولاد ، وحسب بعضهم العز والشرف في غصب أموال الناس وظلمهم ، واعتقدت فئة أنه في إتلاف المال وصرفه وتبذيره .
وأنتَ ترى أناساً إما أن يتحدث عن إتلافه المالَ ، أو يتحدث عن عشيرته ، أو عن أولاده ، أو عن ثروته ، أو عن شخصيته ، أو عن ماله ، فهذا الذي يقول : "أنا" فإنه لا يعرف الله عز وجل ، قالها الشيطان فأهلكه الله عز وجل ، فتأملت قوله تعالى :
﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾
( سورة آل عمران )
فأقبلت على ربي ، ونفضت يدي من هذه الملهيات والأباطيل ، فكلها فارغة ، ثم قال له : هاتِ الفائدة الخامسة ، قال : رأيت الناس يذمّ بعضهم بعضا ، ويغتاب بعضهم بعضا ، فوجدت ذلك من الحسد في المال والجاه والعلم ، أسأل طبيباً عن طبيب آخر فيذمُّه ، لماذا ؟ وأسأل محامياً عن زميله ، فيقول : لك هذا المحامي لا يفهم شيئاً ، أسأل تاجراً فيقول لك : هذه البضاعة مضمونة ، وغيره يقول : في السوق بضاعة مقلدة ، وتكون التي عنده تقليد ، كل إنسان يذم غيرَه بدافع الحسد في المال والجاه والعلم ، فتأملت قوله تعالى :
﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾
( سورة الزخرف )
فعلمت أن القسمة من الله تعالى ، فما حسدت أحداً ، ورضيت بقسمة الله عز وجل .
أما الفائدة السادسة : فإني رأيت الناس يعادي بعضهم بعضاً فتأملت قول الله تعالى :
﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)﴾
( سورة فاطر )
فعلمت أنه لا يجوز معاداة غير الشيطان .
والفائدة السابعة : إني رأيت كل واحد يسعى بجهده ، ويشتغل في طلب القوت والمعاش ، حيث يقع في شبهة أو حرام ، فتأملت قوله تعالى :
﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾
( سورة هود )
فعلمت أن رزقي على الله تعالى وقد ضمنه ، فاشتغلت بعبادته وقطعت طمعي عمن سواه ، وترفعت عن الشبهات والدنايا .
وأما الفائدة الثامنة والأخيرة : رأيت كل واحد من الخلق يعتمد على مخلوق ، بعضهم على الدينار والدرهم ، وبعضهم على المال ، وبعضهم على الحرفة والصناعة ، وبعضهم على مخلوق مثله ، من الأمراء وأصحاب الحول والطول ، فـتأملت قوله تعالى :
﴿ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً (3)﴾
( سورة الطلاق )
فتوكلت على الله فهو حسبي ونعم الوكيل ، فما زاد شيخُه على أن قال له : وفقك الله يا ولدي .
إذاً لما يرافق الإنسانُ العلماءَ ، ويحضر مجالس العلم ، فعليه من حين لآخر أنْ يسأل نفسه ما حصلت ؟ هل تقدمت ؟ هل ازداد عملك الصالح ؟ ماذا قدمت للآخرة ؟ لو جاء الموت فجأةً هل أعددت له عدته ؟ أم ماذا تفعل ؟ .
هذا من توفيقات الله لهم ، وهناك ملاحظة للإمام الغزالي يقول : التزيُّن بالمباح ليس حراما، فإذا سكَن إنسان بيتاً فخماً وفرشه بفرش ضخم ، وأكل ما لذ وطاب فما حُكمه وما شأنه ؟.
التزين بالمباح ليس حراماً ، ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به ، فإذا بالغ الإنسان في المباح استأنس إلى الطعام والشراب ، والدنيا ، والمباهج فإذا استأنس بها شق عليه تركها ، واستدامة الزينة لا تكون إلا بمباشرة أسباب ينشغل بمراعاتها ، فينفق الإنسان من أصحاب اليسار في السَّنة الكثيرَ ، وتراه يقول لك : أنا مصروفي في السنة ثلاثمائة ألف ، لو فرضنا لأسباب ما ضاقت بعض المكاسب ، فماذا تفعل بنفسك ؟ عوّدتَ الأهل على هذا المصروف العالي ، تجد نفسك مضطراً فتقع في الشبهات ، مضطرًا لتكسب المال الحرام ، فلما يغوص الإنسانُ الدنيا ويخوض فيها ، وفي المباح منها فقط يجد نفسه لأسباب قاهرة قد ضاقت المكاسب ، وليس عنده حل ، فيبدأ يتساهل بنوع الكسب ، وعندما يعِّود نفسه على الترف فهذا يغامر بدينه ، ويخشى عليه التردِّي .
والحزم في اجتناب ذلك ، لأن من خاض في الدنيا لم يسلم منها ، ولو كانت السلامة مبذولةً مع الخوض فيها لما ترك النبي عليه الصلاة والسلام الدنيا ، لكنه تركها حفاظاً على دينه .
وعندنا صفة أخرى من صفات العلماء ؛ ألاّ يكون مسارعاً إلى الفتوى ، بل يكون متوقفاً ومحترزاً ، فإذا قال عمّا يعلمه تحقيقاً في كتاب الله أو في حديث رسول الله ، أو إجماعاً أو قياساً فلا حرج ، وإن سئل عما يشك فيه قال لا أدري ، احفظوا هذه القاعدة نصف العلم لا أدري ، وإن سأل عن اجتهاد احتاط ودفع عن نفسه وأحال إلى غيره ، هذا هو الحزم ، وفي الخبر : العلم ثلاثة ؛ كتاب الله ، وسنة قائمة ، والشيء الثالث لا أدري .
وقال الشعبي : لا أدري نصف العلم ، ومن سكت حيث لا يدري احتسابًا الله تعالى فليس بأقل أجراً ممن نطق صوابًا ، لأن الاعتراف بالجهل أشد على الناس هكذا كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله تعالى.
كان ابن عمر إذا سئل عن فتيا قال :
((اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلَّد أمور الناس ، وضَعْهَا في عنقه))
اسأله فهو المسؤول ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول :
((إن الذي يفتي الناس بكل ما يستفتونه مجنون))
وقال :
((جملة العالم لا أدري ، فإن أخطأها فقد هلك "، وقال إبراهيم بن الأدهم :" ليس شيء أشد على الشيطان من عالم يتكلم بعلم ويسكت بعلم ، يقول : انظروا إلى هذا أشد عليّ من كلامي))
وُصف بعضهم بأنّ أكلهم فاقة ، ونومهم غلبة ، وكلامهم ضرورة ، لا يأكلون إلا إذا جاعوا، ولا ينامون إلا إذا ضربهم النوم ، بينما تجد أنّ بعضهم عند الظهر ينام ساعتين ، ويستيقظ عقب العصر بكثير ، ما هذا ؟ من قضى عمره نائمًا يرى نفسه يوم القيامة مفلساً .
ومر عليٌّ وعبد الله رضي الله عنهما برجل يتكلم على ملأٍ من الناس ، فقال : هذا الذي يتكلم يريد أن يشد الناس إليه ، وفي نفسه شهوة خفية "، وقال بعضهم : إنما العالم الذي إذا سئل عن مسألة فكأنما يصعق ..

وكان ابن عمر يقول :
((أتريدون أن تجعلوني جسراً تعبرون عليه إلى جهنم))
هذا الذي يفتي من دون علم جعل من نفسه جسراً يعبره الناس إلى جهنم ، وقال : ((العالِم هو الذي يخاف عند السؤال يوم القيامة أنْ يقال له : مِن أين أفتيت)) لكنّ عالم السوء يقال له : أنت أفتيت في الموضوع الفلاني ، أن النسب القليلة من الربا تجوز ، فمِن أين جئت بهذا الكلام ؟.
وكان إبراهيم إذا سئل عن مسألة يبكي ويقول :
((ألا تجدون أحدًا غيري حتى جئتم إلي))
((وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا أَدْرِي أَتُبَّعٌ لَعِينٌ هُوَ أَمْ لا وَمَا أَدْرِي أَعُزَيْرٌ نَبِيٌّ هُوَ أَمْ لا ))
النبي الكريم علمنا بهذا الكلام إذا واجهتكَ أشياء فَقِفْ عندها ، ولما سئل عليه الصلاة والسلام عن خير بقاع الأرض وشرها ، قال : لا أدري ، حتى جاء جبريل عليه السلام فسأله فقال : خير بقاع الأرض المساجد وشرها الأسواق .
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يسأل عن عشر مسائل فيجيب عن واحدة ، يروون بعض القصص ما أنزل الله بها من سلطان ، منها أنّ رجلاً متصوفًا له شأن كبير ، فبينما هو في الحمام أعطوه مسألة ، فغمسها بالجرن وأعطاهم الجواب ، فهذه قصص غير مقبولة ، وكان مِن الفقهاء مَن يقول : لا أدري أكثر مما يقول أدري .
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى :
((لَقَدْ أَدْرَكْتُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الأنْصَارِ وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ إِلا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْحَدِيثَ وَلا يُسْأَلُ عَنْ فُتْيَا إِلا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ الْفُتْيَا ))
وفي حديث آخر ، كانت المسألة تُعرَض على أحدهم فيردها إلى الآخر ، وكان الصحابة رضوان الله عليهم يتدافعون أربعة أشياء ؛ الإمامة ، - وهي الآن موضِعُ تزاحُمٍ - والوصية ، والوديعة ، والفدية .
وقال بعضهم :
((أسرعكم إلى الفتيا أقلهم علماً ، وأشدهم دفعاً لها أورعهم))
وكان شغل الصحابة الكرام والتابعين بخمسة أشياء ؛ بقراءة القرآن ، وعمارة المساجد ، وذكر الله تعالى ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
طبعاً لما سمعوا كلام النبي الكريم : كل كلام ابن آدم عليه وزرُه إلا ثلاث ، أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، أو ذكر لله تعالى .
وقال ابن حصين :
((إن أحدهم يفتي في مسألة لو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بلدةٍ جميعاً))
عَنْ أَبِي خَلادٍ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ :
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ أُعْطِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ ))
وقال أبو سليمان :" المعرفة إلى السكوت أقرب منها إلى الكلام ، وإذا كثر العلم قل الكلام ، وإذا كثر الكلام قل العلم" ، وهذا آخر قول : إنّ ابن عباس رضي الله عنهما كان إذا سئل يقول : "اسألوا حارث بن زيد" ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : "اسألوا سعيد بن المسيب" ، وذكر أن صحابياً روى في حضرة الحسن عشرين حديثاً ، فسئِل عن تفسيرها فقال : ما عندي إلا ما رويت ، فأخذ الحسن في تفسيرها حديثاً حديثاً ، فتعجبوا من حسن تفسيره فأخذ الصحابي حفنة من حصى ورماهم به ، وقال :
((تسألوني عن العلم وهذا الحبر بين أظهركم ))
انظروا إلى التواضع ، إذا عز أخوك فهن ، هكذا كان السلف الصالح ، وهكذا كان التابعون.
يقول عليه الصلاة والسلام :
((ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))
من لم يكن له ورع يَصُدُّهُ عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله .
* * *
وبعد فهذه قصة من قصص الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين :
ما أدري عن هذه القصة إنْ كنت قرأتها من قبل أم لم أقرأها ، والذي ترك أثراً في نفسي أني لمّا قرأتها وكنتُ أظن أني ما قرأتها من قبل ، لكنني قرأتها ، وكأني أقرأها أول مرة ، هناك استنباطات كثيرة قد نقف عندها .

قال مؤلف هذا الكتاب : قلَّما اتصلت الأسباب بين شخصين وتوثقت العرا بين اثنين كما اتصلت وتوثقت بين محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه وبين أبي سفيان بن الحارث ، فقد كان أبو سفيان لِدَةً وترباً من أترابه ، فقد وجدا في زمن متقارب ، ونشآ في أسرة واحدة ، وكان ابن عم النبي اللزم ، اللصيق ، فأبوه الحارث ، وعبد الله والد النبي الكريم أخوان ، ينحدران من صلب عبد المطلب ، ثم إنه كان أخاً للنبي من الرضاع ، فقد غذتهم السيدة حليمة السعدية من ثدييها معاً ، وكان بعد ذلك كله صديقاً حميماً للرسول صلوات الله عليه قبل النبوة وأشد الناس شبهاً به.

فهل رأيت أو سمعت قرابة أقرب ، أو أواصر أمتن من هذا الذي كان بين محمد بن عبد الله وأبي سفيان بن الحارث ، لذا كان من المفروض أن يكون أبو سفيان هذا أصدقَ الناس إلى تلبية دعوة النبي عليه الصلاة والسلام ، وأسرعهم مباشرةً إلى اتباعه ، لكن الأمر جاء على خلاف كل ما يتوقع ، إذْ ما إنْ بدأ النبي عليه الصلاة والسلام ينذر عشيرته حتى شبت نار الضغينة في قلبِ أبي سفيان على النبي عليه الصلاة والسلام ، فاستحالت الصداقة إلى عداوة ، والرحم إلى قطيعة ، والأخوة إلى صد و رد ، كل هذه الأسباب قامت في نفس أبي سفيان ، ولكن : إنّك لا تهدي من أحببت ، لقد كان أبو سفيان لما صدع النبي بأمر ربه فارساً من أنبل فرسان قريش ، وشاعراً مقدَّمًا بين الشعراء ، فوضع كنانته ولسانه لمحاربة النبي عليه الصلاة والسلام ، ومعاداة دعوته ، وجنّد قوته كلها ضد الإسلام والمسلمين ، فما خاضت قريش حرباً ضد النبي إلا كان مسعِّرها ، وما وقع بالمسلمين أذىً إلا كان له فيه يد ، ولقد أيقظ أبو سفيان شيطانَ شعره ، و أطلق لسانه في هجاء النبي صلوات الله عليه ، فقال فيه كلاماً مقذعاً فاحشاً ، وطالت عداوة أبي سفيان للنبي عليه الصلاة والسلام حتى قاربت عشرين عاماً ، لم يترك خلالها ضربًا من ضروب الكيد للنبي إلا فعلها ، ولا صنفاً من صنوف الأذى للمسلمين إلا عمله ، وقبيل فتح مكة بقليل كُتِبَ لأبي سفيان أن يسلم ، وكان لإسلامه قصة مثيرة وَعَتْهَا كتبُ السير ، وتناقلتها كتبُ التاريخ ، ولنَدَعْ للرجل نفسه الحديث عن قصة إسلامه ، فوصفُه لها أدق ، قال : لما استقام أمر الإسلام ، وقر قراره ، وشاعت أخبار توجُّهِ النبيّ إلى مكة ليفتحها ، ضاقت عليَّ الأرض بما رحبت ، وقلت إلى أين أذهب ؟ ومن أصحب ، ومع من أكون ؟

عكرمة بن أبي جهل قبيل فتح مكة فرَّ ، وعندما وصل إلى شاطئ البحر رأى صاحب سفينة، قال : أركب معك إلى الشاطئ الآخر ، قال له : هل أنت مسلم ، قال : وما مسلم ، قال : أن تشهد أن لا إله إلا الله فقال له : إذًا لِمَ هربت ؟.

وقلت إلى أين أذهب ؟ ومن أصحب ، ومع من أكون ؟ ثم جئت زوجتي وأولادي وقلت تهيؤوا للخروج من مكة ، فقد أوشك وصول محمد وإني لمقصود ، ليس هو مشركًا عاديًا ، ولكن له باع طويل في الأذى ، وقال في نفسه : وإني لمقتول لا محالة إن أدركني المسلمون ، ثم قال : أما آنَ لك أن تدرك أن العرب والعجم قد دانت لمحمد بالطاعة ، واعتنقت دينه ، وأنت ما تزال مصِرًّا على عداوته ، وكنت أولى الناس بتصديقه ونصره ، ومازال أهلي يرغبونني بدين محمد حتى شرح الله صدري للإسلام .

قمت من توي وقلت لغلامي هيئ لي نوقاً وفرساً ، طبعاً ولكن النبي الكريم في الطريق ، وأخذت معي ابني جعفرًا ، وجعلنا نسير نحو منطقة بين مكة والمدينة ، وقد بلغني أن محمداً نزل فيها ، ولما اقتربت منها تنكرت حتى لا يعرفني أحد فأقتل قبل أن أصل إلى النبي ، وأعلن إسلامي بين يديه ، وبقيت أمشي على قدمي ، وطلائع المسلمين تمضي ميمنة شطر مكة جماعة تلو جماعة ، فكنت أتنحى عن طريقهم خوفاً من أن يعرفني أحد من أصحاب النبي ، وفيما أنا كذلك إذْ طلع النبي في موكبه فتصديت له ووقفت تلقاءه ، وما إن ملأ عينيه مني ، وعرفني حتى أعرض عني ، إلى الناحية الأخرى ، فتنحيت إلى ناحية وجهه ، فأعرض عني وحوَّل وجهه ، فتحولت إلى ناحية وجهه حتى فعل ذلك مراراً ، كنت لا أشك و أنا مقبل على النبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفرح بإسلامي ، وأن أصحابه سيفرحون لفرحه ، لكن المسلمين حينما رأوا إعراض رسول الله عني أعرضوا عني جميعاً ، لقد لقيني أبو بكر فأعرض عني أشد الإعراض ، فنظرت إلى عمر بن الخطاب نظراً أستلين به قلبه ، فوجدته أشد إعراضاً من صاحبيه ، بل إنه أغرى بي أحد الأنصار ، وقال لي الأنصاري يا عدو الله ، أنت الذي كنت تؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتؤذي أصحابه ، وقد بلغت في عداوة النبي مشارق الأرض و مغاربها ، ومازال الأنصاري يستطيل علي ويرفع صوته ، والمسلمون يقتحمونني بعيونهم ، ويُسَرّون مما ألاقي ، عند ذلك أبصرت عمي العباس ، فلذت به ، وقلت : يا عم ؛ قد ظننت أن يفرح رسول الله بإسلامي ، فإذا آمن رجل بعد فترة طويلة فهو ملوم ، وأحلى شيء في مسألة الإيمان أنْ يأتي في الوقت المناسب ، وأنت شاب ، وأنت قوي ، وأنت صحيح ، وأنت غني ، وليس بعد أن شاب شعرك ، وانحنى ظهرك ، وانزوت عنك الدنيا ، وصرتَ قعيدَ البيت عندئذٍ أخذتَ تصلي .

فقلت : يا عم قد كنتُ أرجو أن يفرح رسول الله بإسلامي ، لقرابتي منه ، وشرفي من قومي، وقد جرى بي ما تعلم ،فكلِّمه في أمري ، فقال : لا والله لا أكلمه أبداً بعد ما رأيت من إعراضه عنك ، فإن سمحت فرصة فإني أرجو رسول الله ، أمّا الآن فلا يجرؤ أحد أن يكلمه ، فقلت : يا عم إلى من تكلني إذاً ، فقال : ليس عندي غير ما سمعت ، فتملكني الهم ، وركبني الحزن ، ولم ألبث أن رأيت ابن عمي علي بن أبي طالب ، فحدثته بأمري ، فما لبث أن قال لي كما قال عمي العباس ، عند ذلك رجعت إلى عمي العباس وقلت يا عم ، إذا كنت لا تستطيع أن تُعَطِّف عليَّ قلب النبي الكريم فكُفَّ عني ذلك الرجل الذي يشتمني ، ويغوي الناس بشتمي ، فقال: صِفْهُ لي ، فوصفتُه له ، فقال : ذلك نعيمان بن الحارث النجاري ، فأرسل إليه وقال له : يا نعيمان إن أبا سفيان ابن عم رسول الله ، وابن أخي ، فإن يكن رسول الله ساخطًا عليه اليوم ، فسيرضى عنه يوماً ، فَكُفَّ عنه ، وما زال به حتى رضي أن يكف عني و قال : لا أعرض له بعد الآن ، أغلق الجبهة عليه ، ولما نزل النبي عليه الصلاة و السلام بالجحفة جلست على باب منزله ، ومعي ابني جعفر قائماً ، فلما رآني وهو خارج من منزله أشاح عني بوجهه ، فلم أيأس من استرضائه ، وجعلت كلما نزل في منزل أجلس على بابه ، وأبقي ابني جعفراً واقفاً بإزائي ، فكان إذا أبصرني أعرض عني ، وبقيت على ذلك زماناً ، فلما اشتد علي الأمر وضاقت نفسي ، قلت لزوجتي : والله ليرضين عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو لآخذن بيد ابني هذا ، ثم لنذهبن هائمين على وجهَيْنا في الأرض ، حتى نموت جوعاً وعطشاً .

فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رقّ له ، ولما خرج من بيته نظر إليَّ نظراً ألين من النظرة الأولى ، ثم دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة فدخلتُ في ركابه ، وخرج إلى المسجد فخرجت أسعى بين يديه لا أفارقه على حال ، وتمَّ إسلام أبي سفيان بن الحارث أخي النبي في الرضاع وابن عمه .

وهذه واقعة أخرى ؛ فقدْ وقف أبو سفيان بن حربٍ على باب عمر ساعات ، فلم يسمح له بالدخول ، وصهيب وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان ، فلما دخل عاتبه ، وقال : أبو سفيان زعيم قريش يقف في بابك ساعات طويلة ، وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان ، فقال له : هؤلاء اتبعوا النبي في ساعة العسرة وأنت أين كنت ؟.
ولما كان يوم الخندق ، وجمعت العرب لحرب النبي عليه الصلاة والسلام ، وأعدت للقائه ما لم تعد من قبل ، وقررت أن تجعلها القاضية على الإسلام والمسلمين ، وخرج النبي صلوات الله عليه للقاء الجموع مع أصحابه ، ففي أيِّ صف كنت ؟ ويوم حنين ماذا كان لك من دور ؟ قد قال

تعالى :
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾
( سورة التوبة )
إنّ الصحابة الذين خاضوا بدراً وأحداً والخندق ، باعوا أنفسهم ، ويوم حنين ظنوا أنفسهم أقوياء فخذلهم الله عز وجل ، أمّا أبو سفيان بن الحارث فقال : فخرجت مع النبي ، ولما رأيت جموع المسلمين الكبيرة ، قلت : والله لأكفِّرنَّ اليوم عن كل ما سلف مني من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليرين مني من أمري ما يرضي الله ويرضيه ، الآن جاء الوقت المناسب.
ولما التقى الجمعان اشتدت وطأة المشركين على المسلمين ، فدب فيهم الوهن والفشل ، وصار الناس يتفرقون عن النبي ، وكادت تحل بنا الهزيمة المنكرة ، فإذا بالنبي عليه الصلاة والسلام ، قال الراوي وهو صحابي جليل : فداه أبي وأمي يثبت في قلب المعركة على بغلته الشهباء كأنه الطود الراسخ ويجرد سيفه ، ويدافع عن نفسه وعمّن حوله كأنه الليث عادياً ، فعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ :
((رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ ابْنِ عَازِبٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَالَ : لَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرَّ إِنَّ هَوَازِنَ كَانُوا قَوْمًا رُمَاةً وَإِنَّا لَمَّا لَقِينَاهُمْ حَمَلْنَا عَلَيْهِمْ فَانْهَزَمُوا فَأَقْبَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْغَنَائِمِ وَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ))
عند ذلك وثبت عن فرسي ، وكسرت غمد سيفي ، واللهُ يعلم أني أريد الموت ، وأخذ عمي العباس بلجام بغلة النبي ، ووقف بجانبه ، وأخذت أنا مكانه من الجانب الآخر ، وفي يميني سيفي أذود به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أما شمالي فكانت منصفةً ... ، وإلى الآن لم يتبسم له النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما نظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى حسن بلائي قال لعمي : من هذا؟ قال : هذا أخوك وابن عمك أبو سفيان بن الحارث ، فارضَ عنه يا رسول الله ، فقال : قد فعلت ، وغفر الله له كل عداوة عاداناها .
فاستطال فؤادي فرحاً لارضاء رسول الله صلى الله عني ..ثم التفت إلي وقال : أخي تقدم ... ألهبت كلمات النبي حماستي فحملت على المشركين حملةً أزالتهم عن مواضعهم ، وحمل معي المسلمون حتى فرَّقناهم إلى كل مكان ، وظل أبو سفيان بن الحارث منذ حنين ينعم بجميل رضى النبي عنه ، ويسعد بكريم صحبته ، ولكنه لم يرفع نظره إليه أبداً ، ولم ينظر إلى وجهه حياءً منه وخجلاً من ماضيه معه .
بعد ما أسلم لم ينظر إليه خجلاً ، عشرين سنة وهو يعادي النبي ، فأحياناً يقصر الإنسانُ ويؤذي الناس ، ويحمّل نفسه ما لا يطيق ، إذا جاءت الصحوة أعانه الله ، والقضية ليست سهلة ؛ أن تعادي الله ورسوله ، فلا تصلي ، وتستهين بالدين ، وتؤذي الناس وتغشهم ، ماذا يفعل هذا بنفسه ؟ يحمِّلها ما لا تطيق .
وجعل أبو سفيان يعض بنان الندم على الأيام السود التي أمضاها في الجاهلية محجوباً عن نور الله ، محروماً من كتابه ، فأكبَّ على القرآن ليله ونهاره يتلو آياته ، ويتفقه في أحكامه ، ويتملى من عظاته ، وأعرض عن الدنيا وزهرتها ، وأقبل على الله بكل جارحةٍ من جوارحه حتى إن النبي صلوات الله عليه رآه ذات مرةٍ يدخل المسجد فقال لعائشة أتدرين من هذا يا عائشة ؟ قالت : لا ، قال : ابن عمي أبو سفيان ، إنه أول من يدخل المسجد ، وآخر من يخرج منه .
ولما لحق النبي صلوات الله عليه بالرفيق الأعلى حزن عليه أبو سفيان بن الحارث حزنَ الأمِّ على وحيدها ، وبكاه بكاء الحبيب على حبيبه ، ورثاه بقصيدة من غرِّ المراثي تفيض حزنًا ولوعة، وفي خلافة الفاروق رضي الله عنه أحس أبو سفيان بدنو أجله ، فحفر لنفسه قبراً بيديه ، ولم يمض على ذلك ثلاثة أيام حتى حضرته الوفاة ، كأنه مع الموت على ميعاد ، فالتفت إلى زوجته وأولاده وأهله وقال : لا تبكوا علي فو الله ما تعلقت بخطيئةٍ منذ أسلمت .
إذا تاب الرجلُ إلى الله توبةً نصوحًا ، وعاهد الله ألاّيؤذي أحدًا أبداً ، ولا يعصي أبداً ، فإذا جاء ملك الموت يقول مرحباً به وبالموت .
والله ما تعلقت بخطيئةٍ منذ أسلمت ، ثم فاضت روحه الطاهرة ، فصلى عليه الفاروق رضوان الله عليه ، وحزن لفقده هو والصحابة الكرام ، وعدوا موته مصابًا جللاً حلَّ بالإسلام والمسلمين .
فاغتنم أخي المسلم خمساً قبل خمس ؛ شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، ولا يعرف الإنسان بعد ذلك متى يصيبه آلام ، وأوجاع ، أيستطيع أن يتصدق أم لا ، اكسب الوقت ، قم الليل إن كنتَ تستطيع أن تقوم للصلاة ، اقرأ القرآن وأنت في شباب ، واستغل هذا الشباب ، واستبق الخيرات ، وإذا درَّتْ نياقُك فاحتلبْها ، وإذا هبَّبتْ رياحُك فاغتنمها ، فإنَّ الريح عادتها السكون .
والحمد لله رب العالمين
 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
Copyright © 2011. test - All Rights Reserved
Template Modify by Creating Website
Proudly powered by Blogger